التعليم الديني أقوى أدوات الأيديولوجيا

Écrit par

dans

مينة بوشكيوا

لم يكن لي أن أبدأ الحديث عن التعليم الديني لولا أنني أرى اليوم، بوضوح تام، كيف يتحوّل من منظومة تربوية إلى أداة أيديولوجية قوية، تُعيد إنتاج قيم الطاعة والخضوع، وتُغذي الفكر المحافظ في المجتمع، تحت غطاء الدين والأخلاق.

لقد درستُ العربية بالقسم العلمي، حيث كنا نُلقَّن دروساً في التربية الإسلامية تجعلنا نحفظ نصوصًا طويلة ونُكرّرها دون أن نُدرك معناها أو نُمارس التفكير النقدي حولها. كان المدرّسون أنفسهم، في الغالب، يربطون بين الإيمان والانضباط، وبين الشك والكفر، فيختزلون الدين في الطاعة العمياء ويغفلون عن قيم التسامح والعقلانية التي تُعتبر أساس أي تقدم فكري أو حضاري.

تكوّنت لديّ قناعة مبكرة بأن المدرسة المغربية، في جانبها الديني، لا تُحرّر الفكر بل تُقيّده، وتُخضِع الناشئة لنمط تفكير جماعي يُقصي الفردانية ويُجرّم الأسئلة. فكل من يسأل يُتهم بالزندقة، وكل من يُخالف يُعاقب بالعزلة أو الوصم، فيتحوّل التلميذ إلى نسخة مكرّرة من معلمه، لا يجرؤ على التفكير خارج الصندوق الذي رسمته المؤسسة.

لقد لاحظتُ، خلال سنوات تدريسي، كيف أن المناهج الدراسية لم تتطوّر بالقدر الكافي لتستجيب لتغيّرات المجتمع المغربي. فما زال التلميذ يُلقّن مفاهيم الطاعة و”الجزاء والعقاب” أكثر مما يُعلَّم مهارات التفكير والنقاش والحوار. كما أن اللغة المستعملة في كتب التربية الإسلامية بقيت جامدة، موروثة من عصور الفقه التقليدي، بعيدة عن الواقع الاجتماعي والثقافي للتلاميذ.

ومن خلال تجربتي داخل الأقسام الدراسية، تبيّن لي أن الطفل الذي ينشأ على الخوف من النار والوعيد، يصعب عليه أن يبتكر أو يُبدع أو يتجرّأ على النقد. ولهذا، فالمجتمعات التي تُفرِط في التعليم الديني المحافظ، تُنتج في الغالب مواطنين مطيعين، ولكنها لا تُنتج مفكرين أو مبدعين.

لقد أدركتُ أن المدرسة، بدل أن تكون فضاءً للحرية والتنوير، أصبحت تُعيد إنتاج الخضوع والامتثال. فبدل أن نُعلّم أبناءنا قيم المواطنة وحقوق الإنسان، نُعلّمهم الخوف من السؤال و”حرمة” التفكير. ومن هنا، يظهر التعليم الديني كأقوى أدوات الهيمنة الأيديولوجية، يُستخدم لتثبيت قيم الطاعة للنظام السياسي والاجتماعي القائم.

أما المطلوب اليوم، في نظري، فهو إعادة النظر في مضمون هذا التعليم وفي طرق تدريسه. يجب أن يتحوّل الدين من منظومة أوامر ونواهٍ إلى فضاء للنقاش والفهم والتسامح، وأن نُحرّر التربية الإسلامية من قبضتها الأيديولوجية، لتصبح تربية إنسانية قائمة على قيم الحرية والعقل والضمير.

لقد حان الوقت لنعترف بأن التعليم الديني، بصيغته الحالية، لم يُنتج سوى التبعية والازدواجية في الشخصية المغربية. نحتاج إلى مشروع إصلاحي شامل، يُعيد للدين معناه الروحي العميق، بعيدًا عن الاستغلال السياسي والأيديولوجي. فحين يصبح التعليم وسيلة للتحرّر لا للتقييد، يمكننا آنذاك أن نؤسس لمجتمع متوازن، عقلاني، ومتسامح، لا يخاف من التفكير بل يحتفي به.

إقرأ الخبر من مصدره