محمد أنوار الهزيتي
يشهد المغرب تحولًا جذريًا. ففي عالمٍ تُشكّله التحولات البيئية والرقمية والاجتماعية، اختارت بلادنا انبثاق نموذج تنمويً متجذرً في واقع ترابها وموجهًا نحو المستقبل. ويُجسّد طموح نموذج التنمية الترابية المندمجة حسب التوجيهات الملكية السامية، أخدا بعين الاعتبار التحديات الحالية والمستقبلية، جعل التراب خليةً حيةً للتقدم، ومساحةً للذكاء الجماعي، والمرونة، والابتكار. وهذا الطموح ليس مجرد إصلاح إداري آخر، بل هو تحولٌ منهجيٌّ يُؤثّر على مقاربة الحكامة، والتخطيط، وتكوين الثروة، وكيفية تفاعل الدولة مع مواطنيها.
لعقود، غالبًا ما كانت السياسات العمومية تُصمّم بطريقةٍ مركزيةٍ من الأعلى إلى الأسفل، وفي بعض الأحيان بشكلٍ منفصلٍ عن الواقع الترابي. وقد مكّن هذا النموذج من إحراز تقدمٍ كبيرٍ في البنية التحتية، والوصول إلى الخدمات، وتحديث المؤسسات. لكنه كشف أيضًا عن تحديات أثرت بشكل كبير في بناء نموذج للعدالة الترابية: اختلالاتٌ ترابية مُستمرة، ومناطق قروية مُهمّشة، وطاقاتٌ مُهدرةٌ في تنسيق السياسات القطاعية.
وبالتالي، ووفقا لرؤية استشرافية للمستقبل، كان لا بد من إعادة النظر في هذا النموذج التنموي الترابي. وبمعنى أخرلا بد من الانتقال من نموذج تنمية من أعلى إلى أسفل إلى نموذج “بواسطة المجالات الترابية وبالتعاون معها”، حيث يصبح كل مجال ترابي مندمج فاعل متكامل في الدينامية الوطنية.
وسيتماشى هذا التغيير في المقاربة التنموية مع الرؤية الملكية للجهوية المتقدمة والتنمية الترابية المندمجة، التي تُرسّخ القرب والتفريع والتقارب كركائز أساسية للحكامة الحديثة. لن يعود التراب مجرد وعاء لسياسات الدولة، بل سيصبح فاعلاً استراتيجياً للتغيير، يتمتع بهوية وقدرة على العمل ومسؤولية مشتركة في بناء المصلحة العامة.
يرتكز النموذج المندمج للتنمية الترابية على عدة أسس. أولها هو مبدأ القرب: فلا يمكن تحقيق كفاءة عامة دون تنسيق الإجراءات، وتوافق الأولويات، وتجميع الموارد. في كثير من الأحيان، عملت السياسات القطاعية بشكل منعزل. وبالتالي لابد من بناء مسارات مشتركة تلتقي فيها قطاعات التعليم والصحة والتكنولوجيا الرقمية والاقتصاد الأخضر والتكوين حول هدف ترابي مشترك.
الأساس الثاني هو البيانات. ففي هذا النموذج المنشود، ستصبح عملية صنع القرار العمومي، واضحة، ومدروسة، واستباقية. فبفضل التحول الرقمي، سيدخل التراب عصر حكامة قائمة على المعلومات، حيث يمكن لكل مجال ترابي الاعتماد على بيانات دقيقة لإعداد سياساته وتقييمها وتعديلها. وستتيح منصات الرصد والتقييم الترابية توقع الاختلالات، وتحديد الاحتياجات الفعلية، واتخاذ الإجراءات التصحيحية فورًا. وهذه هي القوة الحقيقية للتراب الذكي: ليس مجرد تراب مجهز بالتكنولوجيا، بل قادر على التعلم من ذاته ومن مواطنيه وبيئته وسيمكن هذا النموذج من التحول إلى مغرب المستقبل المبني على مجالات ترابية متواصلة ونسقية واستباقية، حيث تخدم التكنولوجيا التماسك الاجتماعي والرفاه الجماعي، وليس العكس.
لكن الذكاء الترابي لا يقتصر على البيانات فقط. فهو يكمن أولاً وقبل كل شيء في الإنسان. وبالتالي لا بد أن يرتكز هذا النموذج على قناعة أساسية، وهي أنه لا يمكن تحقيق تحول مستدام دون إدماج. فالتنمية لن تكون مجدية إلا إذا حسّنت حياة المواطنين، وعززت العدالة الاجتماعية، وضمنت تكافؤ فرص الوصول إلى الخدمات العمومية. ولهذا السبب لا بد أن يضع النموذج الجديد للتنمية الترابية الإدماج في صميم نهجه: الإدماج الاقتصادي من خلال التشغيل الترابي وتطوير سلاسل القيمة الترابية؛ والإدماج الاجتماعي من خلال الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليم والتكوين؛ وأخيراً، الإدماج الرقمي من خلال سد الفجوة التكنولوجية بين المناطق الحضرية والقروية.
أما الركيزة الثالثة لهذا النموذج فتتعلق بمبدأ الاستدامة. ففي مواجهة تحديات تغير المناخ، وندرة المياه، وضغط الموارد، يجب على كل مجال ترابي أن يصبح مشاركًا فاعلًا في التحول البيئي. فالتنمية الترابية المتكاملة ليست مجرد أداة اقتصادية، بل هي أيضًا استراتيجية للصمود. وهي مرتبطة بإعادة النظر في أنماط الإنتاج والاستهلاك وتخطيط استخدام الأراضي للحفاظ على التوازنات الطبيعية. ومن هذا المنظور، لا تُمثل الاستدامة عائقًا، بل هي محرك للتنافسية والابتكار. وسيكون الاقتصاد الأخضر، والطاقات المتجددة، والإدارة الذكية للمياه، وتعزيز الخبرات الترابية، محركات الازدهار المسؤول بيئيًا.
ومن جهة أخرى، فإن نجاح هذا النموذج مرتبط بشكل أساسي بإصلاح عام لمنظومة الحكامة. فهذا النموذج لابد أن يقوم على نهج تعاقدي: حيث يوقع كل مجال ترابي ميثاق تنمية يُحدد أولوياته والتزاماته وموارده ومؤشرات أدائه. وسيسمح هذا الإطار التعاقدي بتجاوز المساطر الإدارية الجامدة والمعقدة، وبناء علاقة ثقة ومسؤولية بين الدولة والجماعات الترابية. وبالتالي، فإن هذا الإصلاح سيساهم في ترسيخ الحكامة القائمة على النتائج كما نادى بها عاهل البلاد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، حيث تُصبح الشفافية والمساءلة هي القاعدة. ويتطلب أيضًا نجاح هذا النموذج تحولًا ثقافيًا. فالحكامة المتعددة المستويات الترابية يتطلب تقاسم صنع القرار، والتفويض، ولكن أيضًا الإنصات. وبالتالي، فاللامركزية والجهوية المتقدمة لا تُفرض بنص قانوني: إنها تُبنى من خلال التشاور، والقدرة على بناء الذكاء الجماعي للإدارة الترابية والمنتخبين والمؤسسات العمومية والفاعلين الاقتصاديين ومؤسسات البحث العلمي والمجتمع المدني.
إن نموذج التنمية الترابية المندمجة ليس غاية في حد ذاته، بل هو عملية متدرجة. سيتكيف مع الزمن، معتمدا على الخبرة والبيانات ومشاركة المواطنين. إنه نموذج حيّ يُحوّل التراب إلى فضاء للابتكار العمومي، ومختبر للأفكار والتجارب. وفي الواقع، يُجسّد هذا النموذج فلسفةً: فلسفة مغربٍ استشرافي، واثق، وتطلعي. استشرافي بشأن التحديات المقبلة – الاقتصادية والبيئية والاجتماعية – ولكنه واثق في القدرة الجماعية على تجاوزها، وتطلعي لبناء مستقبل قائم على التقارب والاستدامة والإنصاف.
وأخيرا، لا يكمن التحدي في مجرد التخطيط للتنمية، بل في تجسيدها، وجعلها ملموسة وقابلة للقياس ومشتركة. وبالتالي، ففي هذه الرؤية، كل تراب مهم، وكل مواطن يساهم، وكل سياسة عمومية جزء من مسار هادف. فلن يكون مغرب المستقبل أكثر تطورًا فحسب، بل سيكون أيضًا أكثر توازنًا وترابطًا وإنسانية. هذا النموذج من التحول الصامت والمتدرج والهيكلي هو ما يحمله نموذج التنمية الترابية المندمج اليوم، وهو تحول يفتح الطريق أمام جيل جديد من السياسات العمومية، التي تتسم بالمرونة والشفافية والتطلع إلى المستقبل.