هبة بريس-يوسف أقضاض
قبل أشهر، لم يتردد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في وصف الكاتب بوعلام صنصال بألفاظ قاسية، نعته بـ”اللص اللقيط مجهول الهوية مجهول الأب”، فقط لأنه صرّح في حوار صحفي بأن مناطق من غرب الجزائر كانت تاريخيًا جزءًا من المغرب.
ذلك الوصف لم يكن مجرّد انفعال سياسي، بل كان تجسيدًا لنهج سلطوي يعادي الفكر الحر ويعتبر أي رأي مخالف خيانة، حتى لو صدر من مفكر يحمل همّ الوطن من زاوية نقدية.
اليوم، المشهد انقلب رأسًا على عقب. فالرئيس ذاته الذي أهان الكاتب بأشدّ العبارات، هو نفسه الذي وقّع قرار العفو عنه بعد أمر من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير.
تناقض صارخ يختزل هشاشة القرار السياسي في الجزائر، ويؤكد أن النظام لا يتحرك وفق مبدأ أو قناعة، بل تحت ضغط العواصم الغربية التي يُفترض أنه “يقف في وجهها” باسم السيادة.
هذه المفارقة تفضح الخطاب المزدوج للنظام الجزائري الذي يدّعي القوة والاستقلالية في خطاباته الإعلامية، بينما يخضع فعليًا لإملاءات الخارج حين تُمسّ مصالحه الدبلوماسية.
فالعفو لم يكن قرارًا نابعًا من مصالحة داخلية أو مراجعة فكرية، بل خطوة اضطرارية لترضية شريك أوروبي نافذ، تُظهر أن السلطة في الجزائر تتعامل مع القضايا الحقوقية بمنطق انتقائي يفرّق بين “الإنسانية الخارجية” و”القمع الداخلي”.
في واقع الأمر، يبدو أن من يسير شؤون الدولة الجزائرية اليوم ليس مؤسسات حقيقية ولا عقلاً سياسياً ناضجاً، بل منظومة تُشبه في سلوكها عصابات مرتجلة تتخذ قراراتها بناءً على الانفعال والردّ، لا على الرؤية والتخطيط.
فبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً للعقلانية والسيادة، تحوّلت إلى كيانٍ يتصرّف بارتجال، يُهاجم يوماً ثم يعتذر في اليوم التالي، يُدين الخارج في الخطاب ويخضع له في الواقع. وأحياناً، تبدو تصرفات النظام وكأنها صادرة عن منطق طفولي سياسي لا يدرك تبعات قراراته، فيتخبط بين الشعارات والواقع.
وفي النهاية، تكشف قضية بوعلام صنصال أن الجزائر تُقاد بمنطق ردّ الفعل لا المبادرة، وبعقلية تضعف أمام أي ضغط خارجي، فتتعرى الشعارات وتنهار صورة “القوة الإقليمية” المزعومة أمام أول اختبار للسيادة الحقيقية.