يدير اكيندي
لم يكن فوز زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك حدثاً انتخابياً عادياً، بل تحولاً رمزياً في المشهد السياسي الأميركي والعالمي. فالشاب البالغ من العمر أربعة وثلاثين عاماً، المنحدر من أصول هندية وأوغندية، لم يصبح فقط أول مسلم يتولى عمودية أكبر مدن الولايات المتحدة، بل جسّد نموذجاً جديداً للسياسي القريب من الناس، الذي يتحدث لغتهم ويدافع عن قضاياهم، دون أن يتنكر لهويته أو يخضع لسطوة المال والنفوذ.
منذ بداياته، لم يكن ممداني اسماً لامعاً في السياسة الأميركية. انطلق من الهامش، من أحياء كوينز المتنوعة، ومن واقع الطبقات العاملة والمهاجرين. لكنه نجح في أن يحوّل هذا الهامش إلى مصدر قوة، مقدّماً خطاباً يسارياً جريئاً في قلب الرأسمالية العالمية، دعا فيه إلى العدالة الاجتماعية، وتوسيع الخدمات العامة، وفرض ضرائب على الأثرياء لتمويل التعليم والإسكان الميسر. لم يكن يحمل ميزانية ضخمة ولا دعماً حزبياً تقليدياً، لكنه امتلك ما هو أهم: الصدق، القرب من الناس، والإيمان بقدرة الكلمة على التغيير.
هذا المسار يعيد الاعتبار لقيمة الالتزام الأخلاقي في السياسة. فممداني لم يخض معركته بدافع طموح شخصي، بل بوصفه ابن مهاجرين عاش تجربة التهميش. وقد استطاع أن يحوّل تلك التجربة إلى رؤية سياسية تقدمية تعيد تعريف معنى المواطنة والانتماء. لم يقدّم نفسه كمرشح ديني، رغم أنه مسلم، بل كصوت للعدالة والمساواة، مما جعله يحظى بدعم تحالف واسع من فئات المجتمع: مسلمين ومسيحيين ويهوداً، أفارقة ولاتينيين وآسيويين، يساريين وشباباً من الجيل الرقمي الجديد.
لقد فاز ممداني لأن الناس شعروا بأنه يشبههم، لأنه تحدث بلغتهم، ومشى بينهم، ولم يتعالَ عليهم. استخدم وسائل التواصل الاجتماعي ليبث الأمل لا الدعاية، واستثمر صور الحياة اليومية — من مترو الأنفاق إلى موائد الإفطار الرمضانية — لبناء جسر إنساني مع ناخبيه. وهكذا، انتصر الشاب الذي لا يملك إلا صوته، على حاكم سابق مدعوم من لوبيات المال والإعلام، في معركة انتخابية شهدت هجوماً علنياً من الرئيس السابق دونالد ترامب نفسه.
لكن ما يهمنا نحن، في الضفة الأخرى من الأطلسي، ليس فقط تتبع تفاصيل هذا الفوز، بل قراءة دلالاته بالنسبة للشباب العربي والمغربي خصوصاً، ونحن على بعد أقل من سنة من الانتخابات التشريعية المقبلة، وفي ظل حراك شبابي مغربي متجدد، يطمح إلى لعب أدوار طلائعية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
دروس وتجليات لمغرب على عتبة تحول ديمقراطي جديد
تجربة زهران ممداني تحمل في طياتها أكثر من رسالة، وهي لا تهم الأميركيين وحدهم، بل تهم شباب المغرب أيضاً، في لحظة دقيقة من مسار التحول الديمقراطي. فجيل اليوم، الذي يعبّر بقوة عن رأيه في الفضاءات الرقمية وفي المبادرات الميدانية، يحتاج إلى أن يرى في السياسة مجالاً للإبداع والعمل، لا مجالاً للخيبة أو الصراع العقيم.
أول هذه الدروس هو أن السياسة ليست امتيازاً ولا مهنة مغلقة، بل فضاء مفتوح لكل من يملك الجرأة على الحلم والعمل. تجربة ممداني تذكرنا بأن التغيير يبدأ من المبادرة الفردية، من إيمان الشاب أو الشابة بأن الانخراط في الشأن العام ليس ترفاً، بل مسؤولية وطنية. في المغرب، حيث تشكّل فئة الشباب أكثر من ثلث السكان، يصبح هذا الدرس دعوة صريحة إلى تحويل الوعي السياسي إلى مشاركة فعلية — ترشيحاً وتصويتاً ومرافعة — داخل المؤسسات المنتخبة والمجالس المحلية..
ثاني الدروس أن الهوية والانتماء يمكن أن يكونا رافعة للانفتاح لا حاجزاً للإقصاء. فممداني لم يتنكر لجذوره ولا لعقيدته، لكنه قدّم نموذجاً لمواطنة عالمية متصالحة مع ذاتها، تُنصت للآخر وتتعلم منه. وهذه القيمة تمثل اليوم أحد التحديات الجوهرية في المجتمع المغربي، حيث يحتاج الخطاب السياسي الجديد إلى مصالحة بين الأصالة والحداثة، بين المحلي والعالمي، في إطار قيم الدستور وروح التنوع الثقافي واللغوي للمملكة.
أما الدرس الثالث، فيتعلق بـ العمل الميداني والاقتراب من الناس. لقد أثبت ممداني أن الثقة لا تُكتسب بالشعارات، بل بالممارسة اليومية، بالوجود في الشارع والمدرسة والمقهى والمصنع. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأحزاب المغربية في المرحلة المقبلة: تجديد أدواتها، وإعادة بناء الثقة من القاعدة، بدل الاكتفاء بالحملات الموسمية. فالقوانين الانتخابية الجديدة فتحت الباب أمام تمثيلية أوسع للشباب والنساء، لكنها لن تكون ذات أثر فعلي ما لم تُستثمر في تأهيل كفاءات قادرة على الإنصات، وصياغة حلول واقعية للمشاكل اليومية للمواطنين.
رابع الدروس أن الشباب قادرون على إعادة تعريف العمل السياسي بمنطق القيم لا المصالح. فجيل اليوم أكثر اتصالاً بالعالم، أكثر وعياً بالتحولات المناخية والاجتماعية، وأكثر ميلاً إلى ربط الفعل السياسي بقضايا ملموسة: العدالة الاجتماعية، المساواة، التشغيل، البيئة، والشفافية. هذا الجيل يمكن أن يكون طاقة إصلاحية جبارة إذا ما وجد فضاءات تأطير حقيقية تتيح له التعبير والمبادرة، سواء عبر الأحزاب أو منظمات المجتمع المدني أو المشاريع الاجتماعية المبتكرة.
وأخيراً، تذكّرنا تجربة ممداني أن التغيير لا يُمنح، بل يُنتزع بالعمل الجماعي المنظم. والمغرب، بما راكمه من إصلاحات دستورية ومؤسساتية، يقف اليوم أمام منعطف جديد: إما أن تتحول المشاركة الشبابية إلى قوة اقتراحية تساهم في بلورة نموذج تنموي عادل، أو أن يبقى هذا الزخم مجرد طاقة مهدورة في فضاءات التواصل الاجتماعي.
إنّ الدرس الأبلغ من فوز زهران ممداني هو أن الطريق إلى التغيير يبدأ من الإيمان بالقدرة على التغيير، وأن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأحزاب أو المقاعد، بل بمدى حضور المواطن — وخاصة الشاب — في الفعل السياسي اليومي، وفي إيمانه بأن صوته، مهما بدا صغيراً، يمكن أن يصنع الفرق.
قد لا يكون الطريق سهلاً أمام ممداني في إدارة مدينة بحجم نيويورك، لكنه نجح في إعادة الأمل لجيل فقد الثقة في السياسة التقليدية. أما نحن، فربما آن الأوان لنسأل أنفسنا.
هل نملك الشجاعة لخلق “ممدانيّينا” هنا، من رحم أحيائنا وجامعاتنا ومجتمعنا المدني؟
الجواب رهن بمدى إيماننا بأن التغيير لا يأتي من فوق، بل من وعي الناس بقدرتهم على صنع مستقبلهم.