الذكاء المدني

Écrit par

dans


فؤاد بنصغير
مقدمة:

من الغنيِّ عن البيان أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أصبحت تحتل اليوم مكانة متميزة في جميع الميادين، ومنها الميدان القانوني بكل فروعه.

ومن أهم تجليات ذلك، تأثير هذه التكنولوجيا في بعض موضوعات القانون المدني، من بينها موضوع الشخصية القانونية، وموضوع النظرية العامة للعقود، وموضوع قانون المسؤولية المدنية.

I- تعريف وأنواع وخصائص نظم الذكاء الاصطناعي

من أجل الوقوف على الأثر العميق الذي أحدثته تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على المادة المدنية، لا بد بداية من الحديث عن تعريف وأنواع وخصائص هذه النظم.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} أولاً: تعريف نظم الذكاء الاصطناعي

هناك العديد من التعريفات التي أُعطيت للذكاء الاصطناعي، نختار منها التعريف الواسع الذي اقترحته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مفاده أن الأمر يتعلق: «بِنظامٍ مُؤَتْمَتٍ قادر، بالنسبة لمجموعة من الأهداف التي يحددها الإنسان، على وضع تنبؤات أو تقديم توصيات أو اتخاذ قرارات من شأنها التأثير على سياقات واقعية أو افتراضية. ونظم الذكاء الاصطناعي مصممةٌ من أجل أن تعمل على مستويات متفاوتة من الاستقلالية».

فعلى العكس من بعض التعريفات التي أجرت مقارنة غير مناسبة مع الذكاء البشري من أجل تعريف الذكاء الاصطناعي، فإن تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سلط الضوء على عنصر الاستقلالية التي تتميز بها نظم الذكاء الاصطناعي، والذي يعد في قلب الإشكالية التي نطرحها.

ثانياً: أنواع الذكاء الاصطناعي

بغرض فهم أثر الذكاء الاصطناعي على المادة المدنية من حيث المسؤولية المدنية، من الضروري التمييز بين مختلف مستويات الذكاء الاصطناعي.

ذلك أن القدرة على إحداث الضرر للغير ترتفع مع ارتفاع درجة الاستقلالية التي يتمتع بها نظام الذكاء الاصطناعي المعني بالأمر.

أ- الذكاء الاصطناعي الضيق

هو ذلك النوع من الذكاء الاصطناعي الذي يُبْرَمَجُ من أجل أداء مهمة محددة.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي الضيق يتفوق على البشر في المهمة التي ُبْرْمِجَ من أجل أدائها، فإنه يفتقر إلى الوعي أو القدرة على تطبيق ذكائه خارج النطاق الذي حُدِّدَ له، كما هو حال الذكاء الاصطناعي العام.

ب- الذكاء الاصطناعي العام

هو نوع من الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على فهم أو تعلم أي مهمة فكرية يستطيع البشر القيام بها.

غير أن هذا النوع من الذكاء الاصطناعي ما زال في طور التجربة، وإن كان قريباً جداً من الدخول مرحلة التطبيق.

ج- الذكاء الاصطناعي الفائق

هو مستوى من الذكاء الاصطناعي يتجاوز فيه ذكاء الآلة أو الروبوت بشكل كبير جداً ذكاء البشر، وهو ما زال في طور التجربة.

نفهم مما سبق أنه إذا كان من الممكن التعامل مع الأضرار التي يحدثها الذكاء الاصطناعي الضيق ضمن القواعد التقليدية للمسؤولية، فإن الأمر عكس ذلك بالنسبة للذكاء الاصطناعي العام أو الفائق الذي يتطلب إعادة نظر جذرية في هذه القواعد.

ثالثاً: الخصائص

بغرض فهم الأسباب التي من شأنها تعقيد عملية إثبات الضرر الذي تحدثه نظم الذكاء الاصطناعي وتحديد الشخص المسؤول عنه، من الضروري استعراض خصائص هذه النظم.

وأهم الخصائص الجوهرية المؤثرة قانوناً في هذا الشأن هي: الاستقلالية، والتعلم الذاتي، وغموض الصندوق الأسود.

أ- الاستقلالية

يتميز الذكاء الاصطناعي بخاصية الاستقلالية التي تجعله قادراً على تحليل البيانات واتخاذ القرارات والقيام بالتنبؤات دون أي تدخل بشري.

ب- التعلم الذاتي

نظم الذكاء الاصطناعي معروفة بقدرتها على التعلم الذاتي، بحيث يتغير سلوكها مع مرور الوقت من خلال بيانات التدريب التي يقوم بتحليلها.
هذا الأمر من شأنه أن يجعل حتى الشخص الذي قام بتطوير نظام الذكاء الاصطناعي غير قادر على التنبؤ بتصرفاته.

هذه الخاصية تمثل دون أدنى شك عقبة كأداء أمام إسناد المسؤولية المدنية لمصمم النظام أو مالكه أو مستخدمه.

ج- غموض الصندوق الأسود

تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، خاصة منها الذكاء الاصطناعي العميق، كصناديق سوداء لا يفهمها حتى الأشخاص الذين قاموا بتصميمها.

هذه الخاصية تمثل هي الأخرى عقبة كأداء أمام إسناد المسؤولية المدنية من خلال إثبات الضرر وتحديد الشخص المسؤول.

II- التأثير على المادة المدنية

يتجلى تأثير الذكاء الاصطناعي على أسس وقواعد المادة المدنية أساساً في: التأثير على موضوع الشخصية القانونية، والتأثير على النظرية العامة للعقود، والتأثير على قانون المسؤولية المدنية.

أولاً: التأثير على موضوع الشخصية القانونية

من المعلوم أن الذكاء الاصطناعي لديه في كثير من الأحيان قدرات تضاهي القدرات البشرية بل تتفوق عليها.
هذا الأمر دفع بالفقه القانوني إلى محاولة تحديد الطبيعة القانونية لهذه الكائنات الجديدة التي يصعب وضعها لا في خانة الأشياء ولا في خانة الأشخاص.

وقد قسمت مسألة التكييف القانوني للروبوتات الذكية رجال القانون المختصين في قانون الذكاء الاصطناعي إلى ثلاث فئات.

أ- قبول إسناد الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي

دعا اتجاه فقهي إلى منح الذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية التي تسمح له بإبرام العقود وتحمل المسؤولية المدنية.

ب- رفض إسناد الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي

عارض اتجاه فقهي آخر، وهو الغالب، فكرة منح الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي.

وقد دعا هذا الاتجاه إلى الاكتفاء بقيام المسؤولية القانونية لكل من مبرمجي ومستعملي هذه الروبوتات؛ لأن هذه الأخيرة، مهما بلغت درجة ذكائها وبالتالي استقلاليتها، فهي تحتاج دائماً إلى تدخل بشري من أجل برمجتها أو من أجل تشغيلها.

كما يعتبر أن الاعتراف للذكاء الاصطناعي بالشخصية القانونية، وبالتالي بالمسؤولية عن الأضرار التي يحدثها للغير، من شأنه أن يؤدي إلى إفلات مصممي ومنتجي ومستخدمي هذه الروبوتات من المسؤولية.

ج- منح الذكاء الاصطناعي الشخصية الافتراضية

بالنسبة لهذا الاتجاه، فإنه لا بد من إعادة النظر في التقسيم التقليدي للشخصية القانونية الذي لا يعترف سوى بالأشخاص والأشياء.

هذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا بإقرار الشخصية الافتراضية التي تتناسب مع الطبيعة الخاصة للذكاء الاصطناعي.

ثانياً: التأثير على النظرية العامة للعقود

فيما يتعلق بقانون العقود، فقد بدأ منذ زمن بعيد استخدام الذكاء الاصطناعي الضعيف في إبرام العقود عن طريق الوكلاء الأذكياء (العقود المؤتمتة)، وفي الآونة الأخيرة عن طريق خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتقدم (العقود الخوارزمية).

هذان النوعان من العقود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أثرا بشكل متفاوت على المبادئ الأساسية لقانون العقود.

أ- تأثير العقود المؤتمتة

العقد المؤتمت هو العقد الذي يتم إبرامه وتنفيذه إما بين شخص طبيعي وحاسوب، أو بين حاسوب وحاسوب، حيث يلعب الحاسوب دور الوكيل.
وتتطلب أتمتة العقود سلوكاً فاعلاً للآلة في إبرام العقد، أي أن الأمر يتعلق بتدخل مستقل عن إصدار العرض أو القبول من قبل البشر.

وتتجلى الآثار القانونية لهذا النوع المستحدث من العقود في الطبيعة القانونية التي تتناسب معها من جهة، وبالمسؤولية المدنية التي يجب أن تتحملها في حال حدوث ضرر من جهة أخرى.

ب- تأثير العقود الخوارزمية

العقد الخوارزمي هو العقد الذي يتم إبرامه عن طريق خوارزميات الذكاء الاصطناعي دون أي برمجة مسبقة من قبل الإنسان، كما هو حال العقد المؤتمت.

حيث أصبحت خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بفضل خصوصياتها التي عرضنا لها (الإدراك / الاستقلالية / القدرة على التفاعل)، قادرة على اتخاذ القرارات، وبالتالي الحلول محل المتعاقدين البشريين في إبرام العقود.

نصل إلى أنه يتعين استحداث قواعد قانونية جديدة للعقود من حيث الإبرام والتنفيذ، تتلاءم مع خصوصيات العقود المؤتمتة والعقود الخوارزمية كعقود إلكترونية مستحدثة.

ثالثاً: التأثير على قانون المسؤولية المدنية

بسبب عجز القواعد التقليدية للمسؤولية المدنية المبنية على الخطأ في مقاربة الأضرار التي تتسبب فيها نظم الذكاء الاصطناعي، ظهرت العديد من المقاربات من أجل تجاوز هذا العجز.

ويمكن في هذا الشأن استعراض المقاربات المستحدثة في مجال إسناد المسؤولية من جهة، والحلول المستحدثة في مجال تعويض الأضرار من جهة أخرى.

أ- المقاربات المستحدثة في مجال إسناد المسؤولية

من أهم المقاربات المستحدثة في مجال إسناد المسؤولية نجد المقاربة المبنية على نظرية النائب الإنساني، والمقاربة المبنية على المخاطر.

فيما يتعلق بالمقاربة المبنية على نظرية النائب الإنساني، فقد ابتدع المشرع الأوروبي في القانون المتعلق بالمسؤولية المدنية للروبوتات الصادر سنة 2017، فكرة جديدة تنقل المسؤولية المدنية من الذكاء الاصطناعي إلى النائب الإنساني.

هذا يعني أن النائب الإنساني ينوب عن الذكاء الاصطناعي في جميع الأخطاء التي يرتكبها هذا الأخير، متحملاً بذلك التعويض الناجم عن هذه الأخطاء.

نفهم أنه مع فكرة مسؤولية النائب الإنساني، بدأ العد التنازلي من أجل تخفيف المسؤولية المدنية للبشر وتحمل الذكاء الاصطناعي جزءاً من هذه المسؤولية.

أما فيما يختص بالمقاربة المبنية على المخاطر، فقد تبنى المشرع الأوروبي بعد ذلك مقاربة جديدة مبنية على المخاطر وليس على الخطأ الواجب الإثبات.

ذلك أن القانون الأوروبي حول الذكاء الاصطناعي الصادر سنة 2024 أنشأ نظاماً مركباً للمسؤولية المدنية مرتبطاً بشدة المخاطر التي يحدثها الذكاء الاصطناعي، أي أنه مرتبط بنوع الذكاء الاصطناعي المعني بالأمر.

حيث ميز المشرع الأوروبي في هذا الشأن بين نظم الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر ونظم الذكاء الاصطناعي منخفضة المخاطر، ووضع لكل واحد منهما نظاماً للمسؤولية المدنية خاصاً به.

في ما يتعلق بنظام المسؤولية المدنية الخاص بنظم الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر، فإن المشرع الأوروبي وضع كامل المسؤولية على المشغل في الواجهة (opérateur frontal).

والمشغل في الواجهة هو كل شخص طبيعي أو معنوي يمارس سيطرة معينة على خطر مرتبط بتشغيل نظام الذكاء الاصطناعي ويستفيد من استغلاله.

أما في ما يتعلق بنظام المسؤولية المدنية الخاص بنظم الذكاء الاصطناعي منخفضة المخاطر، فإن المشرع الأوروبي ربط المسؤولية فقط بالمسؤولية التقليدية المبنية على الخطأ.

ب- الحلول المستحدثة في مجال تعويض الأضرار

من المعلوم أن التعويض عن أضرار الذكاء الاصطناعي يعتبر المرحلة التالية للتعامل مع المسؤولية المدنية المترتبة عن تلك الأضرار.

وأمام الصعوبة المزدوجة التي تعتري نظام التعويض القضائي في إثبات الضرر الذي تحدثه نظم الذكاء الاصطناعي وتحديد الشخص المسؤول مدنياً، لجأ المشرع المقارن إلى نظام التعويض التلقائي.

هذا النظام يتناسب مع خصوصيات الأضرار الناجمة عن نظم الذكاء الاصطناعي، ويحقق الغاية من نظام المسؤولية المدنية، وهي ضمان تعويض المتضرر.

ويتم تطبيق نظام التعويض التلقائي الذي جاء به المشرع الأوروبي من خلال طريقتين: التأمين الإجباري وصناديق التعويض.

بالنسبة للتأمين الإجباري، فقد ظهر كبديل للمسؤولية المدنية في التعويض عن الأضرار الناجمة عن نظم الذكاء الاصطناعي.

ونظراً لأهمية التأمين كشكل من أشكال التعويض التلقائي عن أضرار الذكاء الاصطناعي، فرض المشرع الأوروبي في القانون المدني للروبوت الصادر سنة 2017 التأمين الإلزامي على مالك أو مصنع نظام الذكاء الاصطناعي من أجل تعويض المتضررين من أخطاء هذه النظم.

أما فيما يتعلق بصناديق التعويض، فقد تم إقرارها كمساعد في تعويض الأضرار التي يتسبب فيها الذكاء الاصطناعي في حال غياب التأمين الإجباري.

وبالفعل، فقد نص المشرع الأوروبي في القانون المدني للروبوت لعام 2017 على أن التعويض أداة لضمان استحصال التعويض عن الأضرار غير المؤمن عليها.

لا بد من ملاحظة أن تمويل هذه الصناديق يتم عن طريق ضرائب تفرض على مطوري ومصنعي ومالكي ومستخدمي نظم الذكاء الاصطناعي، وذلك من أجل تعويض المتضررين من أخطاء هذه النظم.

نخلص إلى أنه إذا كان نظام التعويض القضائي التقليدي يتمثل في رفع دعوى التعويض من المتضرر ضد المسؤول عن نظام الذكاء الاصطناعي الذي تسبب في الضرر، فإن نظام التعويض التلقائي يضمن للمتضرر الحصول بشكل تلقائي على تعويض من خلال التأمين الإجباري وصناديق التعويض.

خاتمة:

إن لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي خصائص تتجلى في الاستقلالية والغموض والقدرة على التفاعل مع البشر وفيما بينها.

هذا الأمر من شأنه زعزعة القواعد التقليدية للقانون المدني، سواء تعلق الأمر بالشخصية القانونية أو بقانون العقود أو بالمسؤولية المدنية.

لهذا نقول: إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تكنولوجي يمكن احتواؤه من خلال القواعد القانونية المدنية الحالية، بل إن الأمر يتعلق بثورة تقنو-قانونية تتطلب من المشرع المغربي استحداث قواعد قانونية مدنية تتناسب وخصوصيات هذه التكنولوجيا.

مع كل الاحترام والتقدير للجميع

-أستاذ جامعي وخبير في القانون الخوارزمي

إقرأ الخبر من مصدره