المؤسسة الدينية في المغرب: من “الاختراق” إلى إشكالية التجديد

Écrit par

dans

عبد الحي السملالي

شهدت الساحة المغربية منذ ستينيات القرن الماضي بروزًا متصاعدًا للحركات الإسلامية في المجالين الاجتماعي والفكري، تأثرًا بالتحولات السياسية والثقافية التي عرفتها البلاد. وقد أسهم هذا الحضور في توجيه أعداد متزايدة من المنتمين إلى هذه التيارات نحو خيارات علمية ومهنية مرتبطة بالشأن الديني.

والمفارقة أن سياسة إعادة هيكلة الحقل الديني التي قادها أحمد التوفيق على رأس وزارة الأوقاف — والتي كان هدفها المعلن تنظيم هذا الحقل وضبطه — هي نفسها التي جعلت المؤسسة الدينية مضطرة إلى توظيف أبناء الحركة الإسلامية في مناصب حساسة. فمع توسع المؤسسة وزيادة حاجتها إلى الكفاءات، وجدت نفسها أمام خيار تعيين أئمة ومرشدين وقيمين ورؤساء مجالس علمية من بين المتخصصين المتوفرين، وكان أغلبهم من خلفيات إسلامية.

وقد أكد الواقع هذا الأمر بشكل واضح، حتى أن أحمد الريسوني أشار في أحد التسجيلات الصوتية إلى أن المؤسسة الدينية باتت “مخترقة” بهذا الحضور، وهو توصيف يعكس عمق الظاهرة واستحالة تجاهلها.

والأكثر إشكالية أن الدولة لم تنجح حتى اليوم في إيجاد حل جذري للحد من توظيف أبناء هذه الحركة، فضلًا عن “تطهير” الحقل الديني من تأثيرهم. فالمؤسسة الدينية لا تزال تتأرجح بين سياسة إقصاء محدود وبين ممارسة قسرية لـ“التعايش” مع هذا الواقع.

أما اليوم، فتعيش المؤسسة الدينية حالة من التوتر المستمر تتجلى في إقالة الأئمة بين الفينة والأخرى، وإعفاء رؤساء المجالس العلمية، وإطلاق خطط مثل “تسديد التبليغ” و“توحيد الخطبة”، في محاولة لاحتواء المد الإسلامي وضبط الشأن الديني. غير أن هذه الإجراءات تظل — في جوهرها — معالجات سطحية لا تلامس جذور الظاهرة ولا تقدم رؤية بديلة قادرة على استيعاب الحراك الديني داخل المجتمع.

وفي هذا السياق تبرز الإشكالية المركزية على مستوى التحليل العلمي: أي التيارين يشكل تحديًا أكبر لإمارة المؤمنين وللنموذج الديني المغربي؟

هل هو التيار العلماني الذي يدفع — ضمن أولوياته — نحو تبني مفاهيم مثل حقوق المرأة بصيغ تحررية راديكالية وحقوق المثليين، بما يتعارض مع الثوابت الدينية؟

أم هي الحركات الإسلامية بمختلف تياراتها، التي تطرح مشروعًا دينيًا بديلاً قائمًا على إقامة دولة الخلافة وتطبيق الشريعة، بما قد يغيّر طبيعة إمارة المؤمنين ويُحدث قطيعة مع النموذج المغربي القائم؟

إن المعضلة الحقيقية تكمن في أن كلا التيارين يشكل تحديًا وجوديًا للنموذج السائد، وإن اختلفت الأساليب والمرجعيات. فالمؤسسة الدينية، ما دامت رهينة منطق الرقابة والمحاصرة، ستظل عاجزة عن مواجهة أيّ من التحديين، لأنها ببساطة تشتغل على النتائج دون أن تلامس الأسباب العميقة التي أنتجتها.

إقرأ الخبر من مصدره