جدل “النظافة والابتذال” في السينما المغربية.. هل يخنق الإبداع أم يحمي الجمهور؟

Écrit par

dans

زينب شكري

يشهد الوسط السينمائي خلال السنوات الأخيرة نقاشا واسعا حول ما يسمى بـ”الأفلام العائلية والنظيفة”، وهو تصنيف بات يتكرر في تصريحات عدد من المنتجين والمخرجين عند الترويج لأعمالهم.

ويستخدم هذا المفهوم كوسيلة لجذب أكبر عدد من الجمهور، عبر تقديم الفيلم كخيار “آمن” لا يتضمن مشاهد جريئة أو مضامين قد تعتبر حساسة، غير أن هذا التوجه أثار موجة من الانتقادات، خاصة من طرف مهنيين ونقاد يعتبرون أن هذه التصنيفات تفرغ النقاش الفني من محتواه وتحوله إلى نقاش أخلاقي ضيق.

ويرى عدد من المهتمين بالمجال السينمائي، أن استعمال مصطلحات من قبيل “النظيف” و”العائلي” أصبح جزءا من الخطاب التسويقي أكثر منه رؤية فنية، فالتصنيف لا يعتمد على القيمة السينمائية أو جودة المعالجة، بل على طمأنة فئة من الجمهور بأن الفيلم لا يحتوي على عناصر قد تُثير الحساسية.

وينظر العديد من المهنيين إلى هذا التصنيف باعتباره نهجا تجاريا أكثر منه اختيارا فنيا، خاصة في ظل رغبة بعض المنتجين في تحقيق إقبال سريع دون الخوض في مواضيع مركبة أو زوايا جريئة.

وتحذر أصوات داخل الساحة السينمائية من أن هذا الاتجاه يؤدي إلى تكريس أفلام روتينية تكرر نفسها، وتبتعد عن الابتكار، وتكتفي بحدود “الاحترام الاجتماعي” بديلا عن القيمة الفنية.

ويرى متخصصون أن النقاش الذي رافق انتشار هذا التصنيف يكشف أيضا تحولا في علاقة الجمهور بالسينما، فبدل التركيز على البناء الدرامي والاختيارات الجمالية والطرح الفكري، صار جزء من النقاش العام ينحصر في سؤال: هل الفيلم “مناسب للعائلة” أم لا؟، وفق تعبيرهم.

ويعيد هذا التحول، حسب ذات المصدر، إنتاج شكل جديد من الرقابة الذاتية، ويدفع بعض المخرجين إلى تفادي مواضيع حساسة أو زوايا جريئة بدافع ضمان التوزيع والإقبال الجماهيري.

وفي هذا السياق، يرى الناقد السينمائي فؤاد زويريق، أن تقسيم الأفلام إلى “نظيفة” و”غير نظيفة” تصنيف شعبوي، لأنه يختزل الفن في معيار أخلاقي، ويتجاهل القيمة الجمالية والمعرفية للعمل.

واعتبر زويريق، أن بعض الأفلام التي تسوق نفسها كأعمال “عائلية” أو “نظيفة” ليست سوى منتوجات سطحية تفتقر إلى العمق الفني، وتستعين بهذا التصنيف فقط لأنها لا تمتلك قوة درامية أو رؤية إخراجية تسمح لها بالصمود أمام النقد.

وقال زويريق، إن هذه الأفلام تستغل حساسية الجمهور لتقديم أعمال ضعيفة على أنها “صالحة للمشاهدة”، بينما هي في الأصل تعيد إنتاج الابتذال في قالب محترم اجتماعيا، حسب تعبيره.

وشدد ذات المتحدث، على أن السينما في جوهرها ليست درسا في الأخلاق، ولا وسيلة لفرض سلوكيات معينة، بل فضاء للتعبير والنقاش والجرأة، لذلك فإن اختزالها في معيار “النظافة” يحد من دورها الطبيعي، ويفرض عليها حدودا ضيقة قد تفقدها قيمتها الفنية.

وأضاف زويريق: “السينما ليست درسا في التهذيب، ولا مساحة لتأكيد ما نعرفه مسبقا، بل هي مساحة لزعزعة المسلمات وتوسيع أفق الإدراك، وهي بذلك ترفض أن تختزل في معيار الطهرانية أو المثالية الأخلاقية التي يدعو إليها البعض، لأنها تبنى على حرية التعبير وجرأة الطرح وقدرة الصورة على تجاوز حدود الوعظ إلى فضاء السؤال والمعنى، وهي أيضا مساحة للتفكير، وللمساءلة، ولرؤية الذات والعالم من زوايا أكثر تعقيدا وجرأة”.

إقرأ الخبر من مصدره