سفيان رازق
دعا رئيس هيئة أركان الجيوش الفرنسية الجنرال فابيان ماندون رؤساء البلديات إلى إعداد الشعب الفرنسي نفسيا لتقبل ما أسماه بسيناريو “فقدان الأبناء” في نزاعات مستقبلية محتملة.
وأكد موندون، في كلمته خلال خطاب موجه إلى رؤساء البلديات الفرنسية: “لردع موسكو من التوسع أكثر، نحتاج قبل كل شيء إلى قوة العزيمة. وهذا هو دوركم الأساسي، يجب أن نكون مستعدين لتحمل الألم لحماية أنفسنا”.
وتطرق رئيس الأركان الفرنسي إلى التحديات الملموسة التي قد تواجهها البلاد، قائلا: “إذا تعثرت بلادنا لأنها غير مستعدة لخسارة أبنائها، أو عانت اقتصاديا بسبب تحويل الأولويات نحو الإنتاج العسكري، فإن هذا يعني أننا نواجه خطرا حقيقيا”.
وأضاف موندون موضحا آلية التضامن: “لا يتعلق الأمر بتخيل وصول الدبابات الروسية إلى منطقة الألزاس، بل بديناميكية التضامن مع دول حلف (الناتو) الشرقية التي قد تتعرض للهجوم، والتي سنتدخل لحمايتها وفقا لالتزاماتنا”.
واختتم الجنرال كلمته بالتأكيد على دور المسؤولين المحليين: “حان الوقت للتوقف عن الحديث وبدء الحوار مع المواطنين. فرنسا تمتلك تاريخا من العزيمة، والآن يجب أن نثبت أننا لا نزال نمتلك هذه القوة”.
وصرّح ماندون بأن فرنسا يجب أن تكون مستعدة لتقديم تضحيات، سواء كانت اقتصادية أو بشرية. وقال أمام العمداء: “إذا انهار بلدنا لأنه غير مستعد لفقدان أبنائه ويجب قول الأمور كما هي أو لتحمل المعاناة الاقتصادية وإذا لم نكن مستعدين لذلك، فنحن إذن في خطر”.
وأضاف قائلا: “لدينا كل المعرفة، وكل القوة الاقتصادية والديمغرافية لردع نظام موسكو عن محاولة التقدم أكثر”. وتابع: “ما ينقصنا هو القوة الروحية، القابلية لتحمّل الألم من أجل حماية ما نحن عليه”. ثم حثّ الجنرال ماندون العمداء على تهيئة السكان: “نحن في لحظة ينبغي فيها الحديث بوضوح، يجب أن تتحدثوا عن ذلك في جماعاتكم”.
وأوضح قائلاً: “روسيا تستعد لمواجهة في أفق 2030 مع بلداننا. إنها تنظّم نفسها لهذا الهدف وتستعد له، وهي مقتنعة بأن عدوّها الوجودي هو حلف الناتو، أي بلداننا”، وذلك لتبرير “جهد إعادة التسلّح” الذي تبذله فرنسا.
وأضاف رئيس أركان الجيوش أمام نواب لجنة الدفاع: “أول هدف حددته للجيوش هو أن تكون مستعدة لصدمـة في غضون ثلاث أو أربع سنوات، قد تكون اختباراً – وربما يحدث هذا الاختبار حالياً بأشكال هجينة – لكنه قد يكون أيضاً أكثر عنفاً”.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل قوية داخل الساحة السياسية. إذ عبّر جان لوك ميلونشون عن “اختلافه الكامل” مع ما جاء فيها. واعتبر مؤسس حركة “فرنسا الأبية” أن هذه التصريحات سياسية بطبيعتها و”لا تدخل إطلاقاً ضمن اختصاصه”
وقال ميلونشون على منصة “إكس”: “أريد أن أعبر عن اختلاف كامل مع خطاب رئيس أركان الجيوش. ليس من دوره دعوة العمداء، أو أي شخص آخر، إلى الاستعداد لحرب لم يقررها أحد”.
وأضاف فريق حركة “فرنسا الأبية” البرلماني في بيان: “لا ينبغي لرئيس أركان الجيوش أن يقول ذلك”، وأوضح البيان: “تصدر هذه التصريحات بعد مواقف أخرى تشير إلى أن على فرنسا أن تكون مستعدة لمواجهة محتملة مع روسيا في غضون أربع أو خمس سنوات. إن تكرار سيناريوهات الحرب علناً، وتهويلها إلى حدّ الحديث عن فقدان الأبناء، يجعل رئيس الأركان يتجاوز دوره. ومثل هذه التصريحات لا تدخل إطلاقاً ضمن صلاحياته”، حسب تعبير نواب اليسار الراديكالي.
كما أثارت تصريحات الجنرال ماندون ردود فعل قوية على الطرف الآخر من الطيف السياسي. إذ قال النائب عن التجمّع الوطني سيباستيان شونو على قناة LCI: “ليس لرئيس أركان الجيوش أي شرعية لإخافة الفرنسيين بتصريحات مثيرة للقلق لا تتوافق إطلاقاً مع الخط الرسمي للبلاد”. وأضاف: “إذا كان يقول ما يفكر فيه ماكرون فذلك خطير، وإن كان يقول ما لا يفكر فيه ماكرون فذلك خطير أيضاً. إنه يتجاوز دوره!”.
من جهتها، اعتبرت وزيرة الجيوش كاثرين فوتران يوم الخميس أن رئيس أركان الجيوش “يملك كامل الشرعية للتعبير عن التهديدات” التي تتربص بالبلاد، وقالت على منصة “إكس”: “تصريحاته التي أُخرجت من سياقها لأغراض سياسية، تندرج ضمن لغة عسكرية لرجل يعرف يومياً أن جنوداً شباباً يخاطرون بحياتهم من أجل الأمة”.
وانتقدت الوزيرة ردود الفعل الصادرة عن عدد من قادة المعارضة الذين اتهموا المسؤول العسكري بـ”الدعوة للحرب، مسؤوليتنا واضحة: تجنب أي مواجهة، ولكن الاستعداد لها، وتعزيز روح الدفاع، هذه القوة الأخلاقية الجماعية التي لا يمكن لأي دولة الصمود أمام المحن من دونها”.