“إن العمل في مجال التعليم يقتضي قدرا كبيرا من الإلمام بالمعطيات وولوجا في المناخ التعليمي من داخله، بحيث يصبح الإنسان في صلب الموضوع لا في حواشيه وهوامشه ومستوياته البيروقراطية…” هكذا أجاب الأستاذ عبد الله ساعف، وزير التربية الوطنية في حكومة اليوسفي، عندما سُئل عن إصلاح النظام التعليمي في المغرب؛ ذلك النظام الذي لم تترك حكومة إلا واعتبرته حقل تجارب مفتوحا، ووعدت بإصلاحه منذ فجر الاستقلال. بل إن التعليم كان على رأس مطالب الحركة الوطنية، وأولية أولوياتها متقدما حتى على مطلب الاستقلال في مذكرتها الإصلاحية المعروفة بـ”مطالب الشعب المغربي” أو “برنامج الإصلاحات المغربية”.
وتعد قضية التعليم في العالم من أهم القضايا التي تحظى بالأولوية، باعتباره الركيزة الأساسية لبناء الإنسان وتمكينه من الإسهام في تنمية مجتمعية شاملة. غير أن الوضع في المغرب له نكهة خاصة؛ فالأزمة لم تُشخّص تشخيصا تشاركيا ينطلق من الحلقة الأهم في المنظومة التعليمية: المعلم.
لم تُفتح قنوات حوار حقيقية، واعتمدت الدولة على محاولات ترقيعية حرصت على تجميل الواجهة دون ترميم الأساس، مع تبني منطق “الاستعجال” في التنزيل، لا في التعجيل بالإصلاح الحقيقي.
ومن نتائج هذه السياسات الترميمية – ومن أسبابها أيضا – غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، وخصوصا المسؤولية السياسية. فالأحزاب رفعت يدها عن هذا الملف الحارق، وتم تفويته إلى التكنوقراط الذين لا يحملون أجوبة سياسية لمشكل سياسي عميق، كما أنهم لا يتعاقدون مع الشعب على أساس برنامج يمكن تنزيله ومحاسبة أصحابه انتخابيا على الأقل.
وهكذا انتقلت إلى قطاع التعليم بعض المصطلحات المجلوبة من عالم المعامل والمقاولات (كالجودة والمردودية)، وتم إسقاطها قسرا على قطاع ثقافي تربوي وظيفته الأولى تأهيل الإنسان لا معاملته كمنتوج صناعي.
وتراجعت رمزية المسؤول عن قطاع التعليم؛ إذ أصبح طبيعيا أن يصير وزير الداخلية وزيرا للتعليم (كما حدث مع حصاد وبنموسى) دون تكوين في المجال، ولما لهذا التغيير من دلالة، وصولا إلى وزراء/رجال أعمال جاؤوا مباشرة من عالم المال إلى عالم التربية (كما هو حال السيد برادة). وكانت تلك القشة التي قسمت ظهر البعير، أو هكذا ظنّ البعير.
لم يُتح الزمن للسيد برادة وقتا كافيا ليُظهر لنا عدم إلمامه بقطاع التربية والتعليم، و يثبت جهله به، فالأمر لم يعد مفاجئا في المشهد السياسي. فالوزارة تتوفر على “علب سوداء” تتكفل بالتدبير اليومي. لكن المفاجأة الكبرى كانت في جلسة الأسئلة الشفوية الأولى، حيث اكتشفنا – ومعنا الرأي العام – أن الرجل يعاني من ارتباك في التواصل، وتلعثم في الحديث، وجهل مُقلق باللغة العربية. بل إن التلاميذ أنفسهم تفوقوا عليه في جرأة الطرح وطلاقة السؤال! وليس غريبا أنه أجاب بعضهم بأنه “لم يتهيأ للسؤال”… وهي عبارة تصلح ربما في امتحان شفهي، لا في مؤسسة من ضمن اختصاصاتها الإشراف على الامتحانات.
ومع مرور الوقت، تطوّر أداء السيد الوزير من التلعثم إلى الإفراط في الكلام، ومن غياب المعطيات إلى “التنقيب” عنها حيثما وُجدت، حتى بات يخرج للإعلام واثقا وهو يبشّر بـ”فتوحات” الوزارة في الريادة. والأجمل أن التجربة المغربية – حسب قوله – باتت ملهمة للدول المتقدمة، وأن وفودا من “جميع البلدان” تطلب زيارتنا للاستفادة من هذه التجربة “الرائدة”.
وليس الغرض هنا الوقوف عند زلات وزير التعليم – “جلّ من لا يسهو” – بقدر ما يهمنا الوقوف عند حجم الأزمة التي تعمقت مع تعاقب وزراء تكنوقراط على قطاع يُفترض أنه معني ببناء الإنسان قبل أي شيء آخر. غير أنه تحوّل تدريجياً إلى مقاولة تدار بعقلية الربح والخسارة كما تُدار شركة “Michoc”، وصارت لغته لغة مؤشرات ومردودية، لا لغة قيم وتربية.
ولعل أغرب ما صدر عن السيد الوزير كان خلال حديثه عن دراسة “عالمية” سماها “ماتيس” بدل “طاليس”، وهي الدراسة التي اعتمدت عليها الوزارة لتبرير عدم تخفيض ساعات العمل، مدّعية أن الأستاذ يعمل 41 ساعة أسبوعيا. بينما الدراسة نفسها تفيد بأن الأساتذة أكدوا أن ساعات عملهم الفعلية، بما فيها مهامهم خارج الفصل، تتجاوز 40 ساعة. أما المتوسط الدولي لساعات التدريس المباشر فهو 22.7 ساعة. وهكذا ضاع اسم طاليس بين “ماتيس” و”المصاصة”، وضاعت معه بوصلة إصلاح التعليم.