الوطنية الصادقة والوطنية المزيفة… مَن المغربي أكثر؟

Écrit par

dans

ادريس ممادي

ظهر الممثل المغربي محمد خيي في دور المحقق في فيلم “ظل الجريمة” الذي لا ينساه كل من شاهده، وقد اقترب من الجنون في معظم المشاهد التي ينتقل فيها من جريمة إلى أخرى بحثا عن القاتل المتسلسل، وقد شَكّك في الجميع، بمن فيهم المحققون معه. وفي نهاية الفيلم تبين بشكل مفاجئ للكل أن المجرم الذي يبحث عنه الجميع، لم يكن إلا هو المحقق نفسه. وخُتم المشهد بإطلاقه رصاصتين منه -بعيدا عن الكاميرا- على المحققين اللذين كشفاه، وقبلها اعترف لهما بكل شيء وبدت عليه علامات الاضطراب.

قد تبدو فكرة الفيلم والمَشاهد أعلاه عادية جدا، وربما ضعيفة ومبتذلة لمن توفرت له اليوم ظروف مشاهدة العشرات من الأفلام البوليسية، خاصة العالمية منها. غير أن الذي سيشاهد هذا الفيلم في المغرب وسينفتح لأول مرة على هذا النوع من الأفلام ستتكون لديه صدمة كبيرة لن ينساها بسهولة.

وقد تتقاطع كل هذه الصدمة مع ما نراه اليوم من “تراشق بالوطنية” بين الناس، وبالتحديد الحديث هنا عن كل من يظهر في الإعلام ويشكك في مغربية الآخرين، ويمكن في احتمال وارد جدا أن يكون هو نفسه الناقص أو منعدم وطنية بالمقارنة مع غيره ممن يتهمهم. وهذا الصراع وتبادل الاتهامات هو مشهد يمكن اختزاله في السؤال التالي: من هو المغربي أكثر من الآخر؟

يقول ابن منظور في معجمه عن الوطن أنه المنزل الذي تقيم به وهو موطن الإنسان ومحله. ويضيف معجم “كامبريدج” حول الوطنية بالقول: إنها مشاعر المودة والفخر التي يشعر بها الناس تجاه بلادهم. وتتراوح تعريفات المعاجم الأخرى بين الخوف على الوطن والرغبة في الدفاع عنه في حالة الخطر.

ويبدو بأن أول عنصر يشوش على الوطن والوطنية هو المصالح الفردية، لأنها قد تتعارض في الكثير من الأحيان مع المصلحة العليا للدولة. لذلك فيصعب أولا الحسم في صدقية خطاب أي شخص يتهم الآخرين بنقصان الوطنية فيهم وهو مستفيد من شيء معين من الدولة يشكل له حافزا لفعل أشياء من هذا النوع.

هذا فضلا على أن مسألة التشكيك في وطنية الآخرين بصفة عامة هي تُناقَش، لأنه منطقيا ما الذي سيجعل شخصا يقوم “بتعرية” الآخرين من الوطنية إلا لهدف محدد. فإما أن المتكلم هنا هو فعلا أكثر وطنية من الآخر وهو حقيقة صادق، وإما أنه كاذب وهو الذي تنقصه الوطنية.

وما الهدف أصلا والحكمة من أن يظهر متكلم أكثر وطنية من الآخرين؟
وصراحة أصبح في زمننا نزع الوطنية عن الآخرين أو بلغة أخرى تخوينهم، تقابله في سياقات متشابهة جدا ظاهرة “التكفير” في الأديان وهي خطيرة جدا. لأن تكفير شخص معين في الدين يشير بناءً على العقل إلى إحدى الأمرين؛ إما أنه وقع فعلا الكفر للشخص المتهَم أو أن الذي اتَّهمه هو الذي في ورطة الكفر. ومن ضمن ما هو مطروح في هذا السياق الديني وفيه نقاش وأفكار هو الترفع عن ذكر الأشخاص بعينهم والاكتفاء بالقول إن هذه الأفعال تُحدِث الكفر وليس فلان كافر. وكل ذلك يأتي لصعوبة الإقرار بهذا الفعل، لأنه شيء غير ملموس وغير واضح تماما للجميع، إنما هو شأن نفسي وداخلي يمكن التظاهر به أو بعكسه.

فهل يمكن التعامل بنفس المبدأ في الوطنية؟ وهل الكفر يشبه الوطنية؟ وهل التكفير يشبه نزع الوطنية؟
الشيء الوحيد الثابت أن نزع الوطنية عن الناس هو شيء خطير، وما بقي بعدها هو فقط تفاصيل…

ختاما، يبقى موضوع الوطن والوطنية هو نسبي بالدرجة الأولى، ويصعب فيه إصدار الأحكام الحاسمة. لكن القولة التي تُنسب إلى الفيلسوف إيمانويل كانط ومفادها “الحقيقة ابنة الزمن” قد تشفع لنا بالقول أن لا شيء سيدوم على حاله الغامض وأن الوقت وحده كفيل بتوضيح كل الأمور.

مهتم بالتاريخ السياسي وقضايا المجتمع

مراجع:
– ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، دار المعارف، القاهرة، ب.ت. ، ص4868..
– www.dictionary.cambridge.org

إقرأ الخبر من مصدره