
يونس بومعاز
المقدمة
يشهد قطاع النقل الدولي والنقل الطرقي بالمغرب في منتصف عقد العشرينيات مرحلة دقيقة تتقاطع فيها ثلاثة مستويات من التحول.
المستوى الأول داخلي يرتبط بالاختلالات البنيوية التي يعاني منها القطاع منذ سنوات، مثل تجزؤ النسيج المهني، وشيخوخة الأسطول، والاختناقات في بعض الموانئ. المستوى الثاني خارجي يتعلق بالتغير العميق في بيئة التجارة العالمية بفعل الأزمات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل التحالفات البحرية، وعودة منطق “القرب الجغرافي” في سلاسل الإمداد نحو حوض المتوسط وأوروبا. أما المستوى الثالث فيرتبط بضغط المعايير البيئية والتنظيمية الجديدة، من قبيل آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية CBAM، ولائحة الاتحاد الأوروبي لمكافحة إزالة الغابات EUDR، والمتطلبات المتنامية في ما يخص تتبع الانبعاثات الكربونية وسلامة البيانات والأنظمة المعلوماتية.
في هذا السياق، يصبح النقل الدولي بين المغرب وأوروبا، والنقل الطرقي العابر للحدود، والنقل المتعدد الوسائط، عناصر حاسمة في الحفاظ على تنافسية النسيج الإنتاجي الوطني، وعلى جاذبية المملكة كمحور لوجستي إفريقي – أورو-متوسطي. فبعد أن ربح المغرب “معركة الموانئ” من خلال تموقع ميناء طنجة المتوسط ضمن أكبر موانئ الحاويات في العالم، يطرح السؤال اليوم حول قدرة منظومة النقل البري واللوجستيك الداخلي على مواكبة هذا التحول واستثماره لصالح الاقتصاد الوطني.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
هذا المقال يحاول تقديم قراءة تحليلية معمقة لواقع النقل الدولي والطرقي بالمغرب، انطلاقا من معطيات ميدانية وآراء مهنية منشورة في مقالات متخصصة، مع إبراز خصوصيات السياق المغربي وآفاق التحول خلال الفترة 2025–2035.
1. واقع النقل الدولي والنقل الطرقي بالمغرب في أفق 2030 1.1 اختلالات بنيوية مستمرة: تجزؤ الفاعلين، شيخوخة الأسطول وضغوط الموانئ
تشير المعطيات المهنية المتداولة في لقاءات قطاعية مغربية إلى أن قطاع النقل الطرقي للبضائع بالمغرب يضم حوالي خمسة وثمانين ألف مقاولة نقل، من بينها جزء مهم غير نشط، بينما تملك نسبة كبيرة من هذه المقاولات أقل من خمسة شاحنات لكل واحدة. هذا الحجم المتوسط-الصغير يجعل جزءا واسعا من النسيج المهني يعاني من ضعف في رأس المال، وصعوبة في الاستثمار في تجديد الأسطول، أو في الحلول الرقمية، أو في أنظمة الجودة والسلامة والبيئة، بالمقارنة مع المجموعات الدولية الكبرى.
يضاف إلى ذلك أن مردودية الشاحنات من حيث الكيلومترات المقطوعة شهريا تبقى أقل من المعدلات المسجلة في أوروبا، حيث تشير المقارنات إلى مستويات في حدود سبعة إلى ثمانية آلاف كيلومتر شهريا، مقابل خمسة عشر إلى ثمانية عشر ألف كيلومتر في بعض البلدان الأوروبية. هذا الفارق ينعكس مباشرة على الكلفة لوحدة النقل (الطن-الكيلومتر أو وحدة الحاوية المكافئة EVP-km)، ويضعف قدرة الناقلين المغاربة على المنافسة في النقل الدولي الطرقي بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
على مستوى البنية المينائية، حقق المغرب قفزة نوعية مع صعود طنجة المتوسط إلى أكثر من ثمانية ملايين وستمائة ألف EVP سنة 2023، مع تجاوز القدرة الاسمية في 2024، غير أن الربط البري بالميناء، وتنظيم تدفقات الشاحنات، وتدبير المواعيد الزمنية لدخول وخروج الشاحنات، لا يزال يطرح تحديات عملية. إذ تُسجل في بعض الفترات طوابير انتظار، ومضاعفة لعمليات المراقبة (سكانير ثم تفتيش يدوي)، مما قد يرفع زمن العبور الجمركي للشاحنة من ساعات إلى يومين أو ثلاثة في الحالات الحساسة، لاسيما في ذروة الصادرات الفلاحية أو الصناعية.
كما أن بعض الموانئ الأخرى، مثل ميناء الدار البيضاء، عرفت بين الفينة والأخرى توترات اجتماعية وحركات احتجاجية أدت إلى بطء في دوران الشاحنات، وأثرت على صورة “موثوقية” سلسلة الإمداد المرتبطة بها. هذه الوضعية تبرز وجود فجوة بين الدينامية المينائية من جهة، وبين قدرة منظومة النقل البري واللوجستيك الداخلي على تأمين انسيابية كافية من جهة أخرى.
إلى جانب ذلك، يشكل القطاع غير المهيكل والممارسات المنافسة غير الشريفة ضغطا على المقاولات المنظمة التي تتحمل كلفة الضرائب والتأمين والتكوين. هذا الاختلال يؤثر في مستوى الأسعار وفي القدرة على الاستثمار على المدى المتوسط والبعيد.
1.2 النقل الطرقي بين المغرب والاتحاد الأوروبي: الحصص الثنائية، التأشيرات والمعايير البيئية
العلاقات التجارية المكثفة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وخاصة مع إسبانيا وفرنسا والبرتغال وإيطاليا وألمانيا، تجعل النقل الدولي الطرقي عبر البحر الأبيض المتوسط (رو-رو) عنصرا محوريا في سلسلة الإمداد. غير أن هذا النشاط يخضع لنظام حصص ثنائية بين المغرب وكل دولة أوروبية، يحدد عدد التراخيص الممنوحة للشاحنات المغربية للتوجه نحو أسواق معينة، وكذلك عدد التراخيص المخصصة للشاحنات الأوروبية داخل التراب المغربي. هذه التراخيص غالبا ما تكون محدودة مقارنة مع الدينامية التجارية، مما ينعكس على مرونة العرض في فترات الذروة.
إلى جانب نظام الحصص، تشكل تأشيرات السائقين المغاربة قيدا إضافيا، إذ لا يكفي توفر الشاحنة على ترخيص ثنائي صالح، بل يجب أيضا أن يحصل السائق على التأشيرة الملائمة، وهو أمر قد يحد من عدد الرحلات الممكنة سنويا، ويقلص هامش المناورة لدى شركات النقل الطرقي المغربية في التعامل مع طلبات زبنائها الأوروبيين.
معطى آخر يثقل كاهل النقل الدولي بين المغرب وأوروبا، يتمثل في المعايير البيئية والتنظيمية التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي، وخاصة آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM) التي ستدخل مرحلتها النهائية ابتداء من 2026. فرغم أن هذه الآلية تستهدف في المقام الأول منتجات صناعية معينة (الصلب، الإسمنت، الأسمدة، الألومنيوم، الكهرباء، الهيدروجين)، إلا أن أثرها غير المباشر سيمتد إلى فاعلي النقل واللوجستيك، عبر متطلبات قياس الانبعاثات الكربونية لكل طن-كلم، وفرض شفافية أكبر في استهلاك الوقود، واختيار المسارات، ومعدلات استغلال حمولة الشاحنات.
كما أن اللائحة الأوروبية لمكافحة إزالة الغابات (EUDR)، ولو تم تأجيل بعض مقتضياتها، ستنعكس على سلاسل القيمة الفلاحية والغذائية المغربية الموجهة نحو الاتحاد الأوروبي، إذ ستصبح مطالبة بإثبات تتبع صارم لأصل المواد الأولية، واحترام معايير الاستدامة، وهو ما يستدعي أنظمة معلوماتية لوجستية أكثر تطورا، وتقاطعا وثيقا بين المتدخلين في النقل الدولي، والجمارك، والمنتجين، وشركات الخدمات الرقمية.
في هذا السياق يتزايد الحديث عن ظاهرة “القرب الإنتاجي” أو “النيير-شورينغ”، حيث تعيد بعض المجموعات الأوروبية النظر في سلاسل إمدادها الطويلة الآتية من آسيا، لصالح تمركز أكبر في حوض المتوسط وشمال إفريقيا. المغرب يوجد في قلب هذه التحولات، غير أن استفادته منها رهينة بقدرته على تقديم عرض نقل دولي تنافسي، موثوق، ومطابق للمعايير البيئية والتنظيمية الجديدة.
2. استراتيجيات شراء وتأمين النقل الدولي: من التحكم في الكلفة إلى بناء شراكات مستدامة 2.1 كيف يمكن للفاعل المغربي أن يشتري خدمة النقل الدولي بذكاء؟
توضح التجارب العملية التي يعرضها عدد من المهنيين في النقل الدولي أن نقطة الانطلاق لأي استراتيجية ناجحة لشراء النقل ليست السعر، بل تشخيص الحاجيات اللوجستية بدقة. فالمقاولة المغربية، سواء كانت مصدّرة أو مستوردة، مطالبة أولا بوضع “بروفيل نموذجي” لشحناتها يجيب عن أسئلة أساسية من قبيل نوع البضاعة (سريعة التلف، حساسة، خطرة، قابلة للتكديس أو غير قابلة)، وحجمها وتواترها، ومسارها من الباب إلى الباب، والآجال الزمنية المقبولة (تغذية مخزون أم تموين وفق منطق “في الوقت المناسب”).
بناء على هذا التشخيص يمكن المفاضلة بين أنماط النقل الدولي الثلاثة الرئيسية المرتبطة بالمغرب، أي النقل البحري بالحاويات أو البضائع العامة، النقل الجوي للسلع ذات القيمة المرتفعة والآجال الحرجة، والنقل الطرقي الدولي عبر سفن الرو-رو بين الموانئ المتوسطية (خصوصا طنجة المتوسط وموانئ جنوب إسبانيا وفرنسا وإيطاليا). لكل نمط مزايا وقيود، تتعلق بالكلفة، والزمن، والمرونة، ومستوى التحكم في المخاطر.
بعد تحديد النمط أو التوليفة الأنسب من الأنماط (نقل متعدد الوسائط)، يبرز سؤال اختيار الشريك. أمام المقاولة المغربية ثلاث خيارات رئيسية. الخيار الأول التعامل مباشرة مع الناقلين العالميين، مثل شركات الملاحة البحرية أو بعض شركات الطيران، وهو ما يسمح بالحصول على أسعار تنافسية عندما تكون الكميات كبيرة، لكنه يقتصر غالبا على خدمات من ميناء إلى ميناء أو من مطار إلى مطار، ويُلزم المقولة بتعدد كبير في المزودين بحسب الوجهات والخدمات المكملة.
الخيار الثاني هو العمل مع متعهد نقل دولي (freight forwarder) منتم إلى مجموعة عالمية متواجدة بالمغرب. هذا النموذج يمنح للزبون واجهة تواصل واحدة، مع قدرة على تجميع مختلف الخدمات (بحرية، جوية، طرقية، تخزين، تخليص جمركي) في عقد واحد، إضافة إلى أن هذه المجموعات تمتلك في العادة أنظمة معلوماتية متقدمة، وإجراءات صارمة للامتثال (compliance)، وقدرة مالية معتبرة. غير أن هذه القيمة المضافة تنعكس في شكل هامش إضافي على أسعار النقل البحري أو الجوي مقارنة بما يمكن أن يحصل عليه الشاحن الكبير مباشرة من شركات الملاحة.
الخيار الثالث يتمثل في المتعهدين المحليين، الذين قد يكونون من حجم صغير أو متوسط، لكنهم يتميزون في أحيان كثيرة بمرونة عالية، وقدرة على التكيّف مع خصوصيات السوق المغربي، واستعداد للتفاوض حول حلول مخصّصة. غير أن هذه المرونة قد تقابلها أحيانا محدودية في الموارد البشرية المؤهلة، أو في القدرات المالية، أو في أنظمة الامتثال والتسيير، مما يستدعي من الشاحن التأكد من معايير الجودة والشفافية قبل الانخراط في شراكة طويلة الأمد.
إلى جانب اختيار الشريك، تبرز أهمية طريقة التعاقد والتفاوض. فالتجارب الميدانية تشير إلى أن المزج بين عقود طويلة الأمد للخطوط المنتظمة ذات الحجم الكبير، وطلبات ظرفية “spot” للعمليات غير المنتظمة، يتيح تحقيق توازن بين استقرار الأسعار والاستفادة من الفرص السوقية. كما أن إدماج البنود الخاصة بالفهرسة التلقائية على سعر وقود الدفع (taxe de propulsion) يسمح بمزيد من الشفافية، ويجنّب النزاعات كلما عرف سعر المحروقات تقلبات حادة.
وتبقى نقطة أساسية في هذا السياق هي استيعاب البُعد الشامل لكلفة النقل الدولي. فالثمن الظاهر للفريت البحري أو الطرقي ليس سوى جزء من الصورة. إذ يجب احتساب تكاليف الخدمات المحلية في الميناء أو المخازن الجمركية، ورسوم التخزين، وتكاليف المناولة، وتكاليف التخليص، والتأمين، وربما الكلفة الكربونية في المستقبل. لذلك يؤكد المهنيون ضرورة طلب عروض مكتوبة مفصّلة تبين كل هذه العناصر، بدل الاكتفاء بثمن الفريت وحده.
في السياق المغربي، يكتسي عنصر التأمين على البضائع أهمية خاصة، بما أن التنظيم الوطني يفرض أن يكون تغطية الأخطار عن طريق شركات تأمين مغربية. كما أن وجود مخازن ومستودعات للمتعهد داخل المنطقة الجمركية (MEAD) قد يتحول إلى عامل حاسم في اختيار الشريك، بما يتيحه من تحكم أفضل في الجودة وفي التكاليف، شريطة أن تكون تعرفة التخزين والمصاريف الإضافية واضحة ومسبقة.
2.2 الرقمنة والأمن السيبراني: من تتبع الشحنات إلى حماية سلسلة الإمداد
يشهد النقل الدولي اليوم موجة قوية من الرقمنة، حيث أصبحت أنظمة إدارة النقل (TMS)، وأدوات التتبع والاحتساب اللحظي، وحلول قياس البصمة الكربونية، عناصر لا يمكن الاستغناء عنها في المنافسة. بالنسبة للمقاولات المغربية، يمنح اعتماد هذه الأدوات إمكانية مقارنة عروض متعددة، وتتبع الشحنات من باب المصنع إلى باب الزبون، وتحليل مؤشرات الأداء مثل زمن العبور، ونسبة الوصول في الوقت، ومعدل استغلال الحمولة.
غير أن هذا الانفتاح على الحلول الرقمية يوسع في المقابل سطح الهشاشة أمام الهجمات السيبرانية. فالنقل الدولي أصبح يعتمد على منظومات مترابطة من الأنظمة المعلوماتية: منصات الموانئ، أنظمة تتبع الحاويات والشحنات، بوابات التبادل الإلكتروني للمعطيات مع الإدارات الجمركية، وأنظمة تخطيط الموارد داخل المقاولات. كل حلقة من هذه الحلقات يمكن أن تتحول إلى مدخل لتهديد شامل.
تشير بعض الحوادث المسجلة عالميا خلال السنوات الأخيرة إلى أن هجمات الفدية (ransomware) قادرة على شل موانئ بأكملها، وتعطيل أنظمة الحجز والفوترة لدى مجموعات ملاحية كبرى، بتكلفة مالية ضخمة وارتباك كبير في تدفقات البضائع على مستوى قارات متعددة.
هذا النوع من الهجمات يمكن أن يصيب بدوره الفاعلين في المغرب، خاصة أولئك الذين يشتغلون ضمن شبكات عالمية ويعتمدون على برمجيات مشتركة.
لذلك فإن بناء “سلسلة إمداد سيبرانية آمنة” أصبح جزءا من استراتيجية النقل الدولي. ويتطلب الأمر القيام بتقييمات دورية للهشاشة، وتحيين البرمجيات وأنظمة إدارة النقل والتخزين، واعتماد حلول مراقبة آنية للأنشطة المشبوهة، إضافة إلى تدبير صارم للولوج إلى الأنظمة عبر المصادقة متعددة العوامل، والتشفير، وضبط صلاحيات الشركاء الخارجيين. كما تفرض الأطر التنظيمية الدولية، مثل التوجيه الأوروبي NIS2 أو متطلبات المنظمة البحرية الدولية (IMO 2021)، مستويات أعلى من الامتثال في هذا المجال، وهو ما يهم الفاعلين المغاربة المتعاملين مع أوروبا عبر البحر أو الجو.
من زاوية تنافسية، يمكن للفاعلين المغاربة تحويل هذا التحدي إلى ميزة، من خلال تقديم أنفسهم كشركاء موثوقين، لا فقط على مستوى الكلفة والزمن، بل أيضا على مستوى حماية البيانات، واستمرارية الخدمات في وجه التهديدات الرقمية.
3. آفاق التحول: نحو منظومة نقل متكاملة، خضراء ومتعددة الوسائط 3.1 النقل المتعدد الوسائط والبنية التحتية في مواجهة التغير المناخي
التحولات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة، من النزاع في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى الحرب في أوكرانيا، مرورا بإعادة تشكيل التحالفات الملاحية العالمية، جعلت النقل البحري للحاويات أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر عرضة للاضطرابات في المواعيد والتعريفات. في هذا السياق، تزايد الاهتمام بنمط النقل البحري الداعم للشاحنات (RO-RO)، خاصة على المسافات القصيرة بين ضفتي المتوسط، حيث يصعد الشاحنة أو المقطورة إلى السفينة ثم تنزل منها دون تفريغ أو إعادة شحن.
هذا النمط يمنح المغرب، عبر ميناء طنجة المتوسط بالخصوص، فرصة لتقديم حلول نقل دولي طرقي “من الباب إلى الباب” نحو أوروبا، بزمن عبور إجمالي تنافسي، دون المرور بمراحل إضافية من المناولة المينائية التي قد تضيف يومين أو ثلاثة إلى زمن الرحلة في حالة الحاويات. كما أن نقل عدد كبير من الشاحنات على سفينة واحدة يقلص عدد الكيلومترات المقطوعة على الطريق داخل أوروبا، وبالتالي يمكن أن يساهم في خفض الانبعاثات بالمقارنة مع سيناريو الاعتماد الكلي على النقل الطرقي لمسافات طويلة.
إلى جانب RO-RO، يبرز النقل المتعدد الوسائط كاستجابة بنيوية لتحديات القرن الواحد والعشرين. هذا النموذج يعتمد على الجمع بين عدة أنماط، مثل البحر والسكك الحديدية والطريق، تحت عقد نقل واحد، مع استثمار مزايا كل نمط من حيث الكلفة والسرعة والاستدامة. يمكن تصور، على سبيل المثال، سلاسل لوجستية تربط آسيا بأوروبا عبر السكك الحديدية، ثم تمتد من أوروبا إلى المغرب عبر النقل الطرقي وRO-RO، أو ربط الموانئ المغربية بالمناطق الداخلية عبر ممرات سككية لوجستية ثم نقل طرقي للكيلومترات الأخيرة.
غير أن تفعيل هذه الإمكانات يتطلب استثمارات في البنيات التحتية المتعددة الوسائط: محطات لوجستية مجهزة لتبادل البضائع بين الشاحنات والقطارات، ومناطق لوجستية متاخمة للموانئ الكبرى، وممرات مهيأة لربط المناطق الإنتاجية (صناعية أو فلاحية) بهذه الشبكات. كما يحتاج الأمر إلى تهيئة الأطر التنظيمية، وتبسيط الإجراءات المرتبطة بالعبور الجمركي، وإرساء أنظمة معلوماتية قادرة على تتبع الشحنة عبر مختلف مراحلها.
في الوقت نفسه، يفرض التغير المناخي تحديات إضافية على البنية التحتية للنقل في المغرب، كما هو الحال في دول أخرى. فموجات الحر الشديد قد تؤثر في متانة الطرق وبعض المكونات السككية، في حين تطرح الفيضانات والعواصف المطرية القوية مشاكل في انقطاع الطرق والجسور. تتجه العديد من الدول إلى إعادة تصميم البنى التحتية لتقاوم هذه الظواهر، عبر تقوية الجسور، وتحسين أنظمة تصريف المياه، واعتماد مواد أكثر مقاومة للحرارة والبرودة. بالنسبة للمغرب، الذي عرف في السنوات الأخيرة توالي فترات جفاف حاد وأمطار غزيرة في فترات قصيرة، يصبح إدماج بعد “المرونة المناخية” في مخططات النقل واللوجستيك جزءا لا يتجزأ من أي رؤية بعيدة المدى.
3.2 شروط نجاح العقد 2025–2035: الحوكمة، الرأسمال البشري والتمويل الموجَّه
تقدم بعض التحليلات المهنية سيناريوهات متعددة لمسار النقل الطرقي بالمغرب خلال الفترة 2025–2030. في سيناريو “الجمود”، تستمر الاختلالات الحالية من تجزؤ وشيخوخة أسطول ومشاكل في تدبير الموانئ، مما يقود إلى تآكل هوامش الناقلين، وإعادة بعض الشاحنين الكبار لتملك أساطيلهم الخاصة، أو لجوئهم إلى مجموعات لوجستية دولية مدمجة، وربما تحوّل جزء من الاستثمارات الصناعية إلى مناطق أقرب من أوروبا. في المقابل، يفترض سيناريو “اللحاق التشغيلي” تسريع إصلاحات الموانئ وربطها بالطرق، وتعميم أنظمة حجز المواعيد للشاحنات، ورفع معدلات استغلال الحمولة، مما قد يسمح بخفض الكلفة لكل كيلومتر بنسبة ملحوظة على مدى خمس سنوات.
كي يتجه الواقع نحو السيناريو الثاني أو الثالث (سيناريو الامتثال المتقدم والكربون المنخفض)، تبرز مجموعة من الشروط العملية. أولا، ضرورة تشجيع أشكال جديدة من التجميع المهني، مثل التعاونيات أو مجموعات المصالح الاقتصادية (GIE)، أو عمليات الاندماج والاستحواذ، لتجاوز عتبة حجم معين (مثلا أسطول من ثلاثين إلى خمسين جرارا) يسمح اقتصاديا بالتفاوض الأفضل على شراء الوقود والإطارات والصيانة، وبالاستثمار في أنظمة التتبع والتسيير، وباعتماد إجراءات موحدة للجودة والسلامة والبيئة.
ثانيا، مواصلة تنزيل الإصلاحات التنظيمية المرتبطة بالولوج إلى المهنة، والحمولة المسموح بها، والفهرسة على سعر الوقود، وتعميم الرقمنة في مساطر المراقبة والعبور، مع محاربة الممارسات غير المهيكلة بطريقة متدرجة تجمع بين المراقبة وديناميات الإدماج. هذا الورش يهم بالدرجة الأولى السلطات العمومية، التي يمكنها في أفق ثمانية عشر إلى أربعة وعشرين شهرا أن تغلق عددا من الملفات التشريعية والتنظيمية المفتوحة، وتستنسخ أفضل الممارسات المينائية في تقريب الخدمات من المهنيين.
ثالثا، الاستثمار في الرأسمال البشري. فالنقل الدولي يعاني عالميا من نقص في السائقين المهنيين، مع ارتفاع في أجرهم مقارنة بالمتوسط الوطني في عدد من البلدان. هذا المعطى سينعكس لا محالة على السوق المغربية، سواء عبر ارتفاع تكاليف استقطاب السائقين أو عبر حركة هجرة نحو أسواق خارجية جذابة. الاستجابة تقتضي تطوير مسارات تكوينية مؤطرة، وبرامج لإعادة التأهيل المستمر، وتثمين المهنة اجتماعيا، حتى لا يصبح نقص اليد العاملة المؤهلة عنصرا إضافيا يرفع كلفة النقل الدولي الطرقي.
رابعا، توجيه التمويل نحو تجديد الأسطول في اتجاه شاحنات أقل استهلاكا وأكثر احتراما للمعايير البيئية، واستكشاف حلول بديلة مثل الوقود المتجدد أو الهيدروجين في المدى المتوسط، مع التركيز في مرحلة أولى على الخطوط الثابتة ذات الحجم الكبير حيث يكون الاستثمار المجدي اقتصاديا. يمكن للبرامج العمومية، عبر دعم منظم ومشروط، أن تواكب هذه النقلة لدى الناقلين الذين يلتزمون بمؤشرات واضحة في ما يخص القياس الكربوني والتحسين التدريجي للأداء البيئي.
أخيرا، لا بد من إدماج التحولات على مستوى كلفة النقل الدولي في نماذج الأعمال. فالمعطيات الدولية تشير إلى أن ارتفاع أجور السائقين، وغلاء الشاحنات “منعدمة الانبعاثات” أو منخفضة الكربون، وارتفاع رسوم العبور والضرائب الطرقية في أوروبا، كلها عوامل تدفع تدريجيا نحو زيادة مستمرة في أسعار النقل الدولي، حتى إذا اعتُبر الوقود نفسه عنصرا منفصلا بفعل آليات الفهرسة. على المقاولات المغربية أن تتوقع هذه الاتجاهات في إعداد ميزانياتها، وأن تعيد التفاوض على عقودها التجارية وفقا لها، بدل التعامل مع كل ارتفاع جديد باعتباره صدمة منفردة.
الخاتمة
يظهر أن النقل الدولي والنقل الطرقي بالمغرب يقفان أمام مفترق طرق استراتيجي. فمن جهة، راكمت المملكة إنجازات مهمة على مستوى البنية التحتية المينائية، وتموقعها في شبكات التجارة العالمية، وارتباطها المتنامي بالاتحاد الأوروبي وإفريقيا. ومن جهة أخرى، ما تزال منظومة النقل البري والخدمات اللوجستية الداخلية تواجه تحديات بنيوية تتعلق بتجزؤ الفاعلين، وضعف رأس المال، واختناقات ميدانية في بعض الموانئ والمحاور الطرقية، إضافة إلى ضغط المعايير التنظيمية والبيئية الدولية، وتنامي المخاطر الجيوسياسية والرقمية.
في هذا السياق، لم يعد النقل الدولي مجرد خدمة ثانوية يمكن شراؤها على أساس السعر وحده، بل أصبح رافعة تنافسية مركزية، وعنصرا مكوِّنا في استراتيجية المقاولة والقطاع والبلد ككل. إن الجمع بين الاستثمار في البنيات التحتية المتعددة الوسائط، واعتماد حلول رقمية متقدمة، وتعزيز الحوكمة والامتثال، والرفع من كفاءة الرأسمال البشري، يمكن أن يحول العقد 2025–2035 إلى مرحلة “ثورة طرقية ولوجستية” تكمل الثورة المينائية التي عرفها المغرب في العقدين الماضيين.
إذا نجح المغرب في هذا التحول، مع تطوير عرضه في النقل الدولي الطرقي والبحري والسككي، وملاءمته مع متطلبات الاستدامة والامتثال الأوروبي والدولي، فإنه سيعزز موقعه كمنصة لوجستية إفريقية – أورو-متوسطية، وسيؤمن لسلاسله الإنتاجية مرونة أكبر في مواجهة الأزمات، ويمنح لمقاولاته قدرة أفضل على اختراق الأسواق الخارجية في عالم يزداد تقلبا وتعقيدا.
-أستاذ باحث
المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير – سطات
إقرأ الخبر من مصدره