مغرب 2025 من الاحتجاج إلى التشاور، و الأمل في العفو!

Écrit par

dans

لحسن البكوري – أكاديمي وسياسي

في مغربنا اليوم لم تعد الاحتجاجات و الحراك الشبابي و الشيابي مفاجئا لنا و للملاحظين في عالم أصبح متغيرا بسرعة غير مسبوقة ، حيث تتقاطع أزمات زمن التواصل الاجتماعي الرقمي و الذكاء الاصطناعي أهمها الاقتصادية من قبيل التضخم و البطالة و سوء توزيع الثروات. و مع التحولات الفكرية و نسب الوعي المرتبطة بالاساس بحركية التكنولوجيا في عقول الشباب حيث تتسع فجوة الثقة و منسوبها بين الشعب و أصحاب القرار الاداري ،السياسي، الاقتصادي و الاجتماعي. و لكل هاته الاعتبارات و الاختبارات لم يعد للمظاهرات و الاحتجاجات الوقع الاستثنائي و كانها اصبحت جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا الحديثة و صار مؤشرا على خلل في العلاقة بين الإدارة التي تدبر أمور الشعب و الشعب نفسه المدبر عليه، و على ضعف منظومة الحكامة و التدبير الرشيد الذي يمنح للشعب شعورا بالكرامة و المشاركه الفاعلة في قراراته اليومية و المصيرية لا سيما قطاعات حيوية كالصحة، التعليم و التشغيل.

و لا شك أن الاحتجاج و التظاهر لا يولد من فراغ و لا يشتعل بسبب “طرف الخبز ” وحده، بل يزيد الاحتقان حينما يشعر المواطن ان صوته لا يسمع و مستوى العيش لا يرقى لاحتياجاته الدنيا و معدلات الفقر في ازدياد، و حينما يصبح الفساد اقوى من العدالة و وعود التنمية مجرد شعارات جوفاء..

غير أن العرف و التاريخ أثبت أن تقييم الأداء للمؤسسات و الأفراد بقي حصرا على الفعل السياسي فقط و تُرك المجال مفتوحا للتعبير عن الرضا و الغضب الشعبيين في فترة الاستحقاقات الانتخابية و كأنها مرحلة التزكية أو التعديل و على أنها محطة لتقييم أداء من عملوا على تدبير مرحلة ما ، و يعد ذلك لبس في الديمقراطية فمن غير المفهوم و المعقول أن يتم تقييم اداء مؤسسات دون غيرها حتى و إن من تلك المؤسسات ما تملك قوة القرار اكثر من غيرها غير انها معفية من المسائلة الشعبية لتتبين لدينا طيف الديمقراطية في زيه المغربي لا زال لا يرقى للديمقراطية الحقة.

الدولة التي تفقد بوصلة الرقابة على الفساد ، يتراكم الغضب اليها ببطء كما يتراكم الغبار على نوافذ الاهمال حتى تأتي شرارة صغيرة تكشف حجم الخلل الداخلي.

الدولة المتدمقرطة تمتلك ما يمكن أن نسميه “المناعة السياسية” اي القدرة على امتصاص الصدمات و معالجة الاخطاء قبل ان تتحول الى أزمات مجسدة على أرض الواقع. و لا تقمع الاختلاف بل تسهم في تنظيمه و لا تخشى النقد بل تعتبره تغذية راجعة و لا تكتفي بالشعارات الموسمية بل تحاسب، تصلح و تشرك المجتمع في صناعة القرار العمومي، لتجسد مفهوم المناعة السياسية من خلال إطلاق العنان للمؤسسات الحزبية الجادة ، المجتمعية و حتى منها النقابية لفتح قنوات حوار دائم و متصل مع المواطن و تراقب الساحة أثناء استحقاقات احقاق الديمقراطية و سد الأبواب على تجار السياسة و الانتخابات رموز الفساد و حلفائهم.

التشاور و الحوار الجاد بين كل اطياف المجتمع السياسي، الاقتصادي و الاجتماعي، إصلاح المؤسسات و محاربة الفساد اهم مداخل التنمية لاستعادة ثقة المواطن ، و لا شك أن التجارب السابقة أظهرت أن استقرار الدول سياسيا ، اقتصاديا و مؤسساتيا لا تصنعه الأموال و لا الجيوش بل يصنعه نضج التدبير الحكيم للادارة و عدالة المنظومة الأخلاقية للقضاء ، الحكامة و الشفافية ليست شعارات للترف و المباهاة بل ممارسة واقعية تقوم على العدل و المساءلة و توفير ظروف العيش الكريم للمواطن و تحصين أسس الديمقراطية من خلال تربية الأجيال الحالية و القادمة على أن النقد المسؤول و المحترم جزء من بناء الدولة و نهضتها لا من الهدم، فحين تصغي الدولة إلى شعبها بصدق و تتفاعل مع مطالبهم تغلق أبواب الاحتجاج و التظاهر قبل أن تفتح.

انا في حكاية “اذهبوا فانتم الطلقاء” الكثير من المعاني و العبر ، فليست حياة الانبياء الا منهجا يجب ان يسير عليها الساسة و القادة في تعاملهم مع شعبهم، فكيفية تعامل السلطة الرشيدة مع ابنائهم المخطئين بالتسامح و العفو يخلق في نفوس من يقع عليهم ذلك مودة و ولاء للوطن و يذيب كل أسباب الخلاف و يجعل من حدث الاحتجاج محطة لتعاقد جديد من خلال جمع الجهود و الاستفادة من الكفاءات و الجدارات في بناء الوطن و نصرة قضاياه بعد صفح جميل و تجاوز لا عتاب معه و لا اعراض عنه.

إقرأ الخبر من مصدره