أزمة المدرسة…

Écrit par

dans


عبد الرحمان زيطان
أم أزمة نموذج إصلاحي؟

إصلاح المدرسة المغربية من القضايا التي تظهر في النقاش العمومي تارة وتختفي تارة، وتُضخَّم كتلتها في ميزان الأولويات تارة وتُقلَّص تارة أخرى، وذلك تبعا للسياقات، ورهانات الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. وهذا، بالطبع، لا ينفي ولا يخفي كونها القضية الثانية في سلم الأولويات بعد قضية الوحدة الترابية، أو هذا ما يجب أن يكون. وأنها من بين أهم المجالات المعنية بالتحول في إطار نموذج تنموي جديد من المفروض، في سياق التحولات العالمية الجارية، وتحديات السياق الوطني، ورهانات التنمية البشرية، أن يكون منتجا وفعالا يضمن مزيدا من الانسجام بين البنى الاجتماعية، ومزيدا من الارتقاء الفردي والمجتمعي.

وحيث إن إصلاح المدرسة المغربية، في أفق تحقيق نهضتها المأمولة، رهان صعب، يرتبط بجملة رهانات أخرى: سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، إلى جانب الرهان الخاص بمنظومات التربية والتعليم والتكوين والتأهيل المهني ذاتها ومعها النظام التربوي في علاقته بالمشروع المجتمعي والنموذج التنموي لأمة صاعدة، فإن النموذج الإصلاحي في بلدنا، اليوم، كما في كل بلدان العالم، معني أكثر من أي وقت مضى باستيعاب كل ما عرفته الساحة الوطنية والدولية من تحولات. كما هو معني بالسعي إلى مزيد من التلاؤم والتكيف مع التحولات التي تواجهها هذه المنظومات، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار نوعين من التحديات:

أولهما، التحديات التي تطرحها الهيمنة الرهيبة للنموذج الرأسمالي الليبرالي الجديد على مختلف مجالات الفعل الإنساني وحياته اليومية، وضمنها التغول المفرط للسوق وتحكمه في الإنتاج والخدمات والاستهلاك وسوق الشغل والمهن، وفق منظور جديد للفرد والمجتمع والدولة، ومنظور جديد للأخلاق والقيم ومعايير العيش المشترك، بل ومعنى الحياة العامة والخاصة كذلك. وسعيه المتواصل والدؤوب إلى رفع كل القيود والضوابط والمعايير التي تضعها الدولة لعقلنة حريته ونزعاته وتطلعاته في إطار وظيفتها الرقابية وتدخلاتها الاجتماعية وفعالية وظيفتها الرعائية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

لم تسلم المدرسة بدورها من هذه الهيمنة الشاملة بغاية تحويلها إلى بنية خاضعة لمعادلة العرض والطلب، وفق فلسفة السوق، من حيث كونها مجالا استثماريا ذا مردودية، ومجالا خدماتيا ذا فعالية اجتماعية ورمزية. ليس فقط لأن المدرسة كانت وما زالت، مع تفاوت في درجات الفعالية، آلية من آلية إعادة إنتاج نموذج العلاقات الاجتماعية القائمة والحفاظ على ثبات واستقرار البنى الاجتماعية، أو لأنها واحدة من مؤسسات الدولة الوسيطة للتحكم في التوازنات الاجتماعية وضبط السيولة والتدفق الاجتماعي، وإنما أيضا لأن المدرسة أصبحت آلية ضمن آليات النظام الرأسمالي التي يسعى من خلالها إلى ترسيخ رؤيته الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر تحكمه وهيمنته على منافذ القرار التربوي وعلى صناعة المعرفة والثقافة وتسويق المعلومات والبيانات.

ثانيا، التحديات المتنامية التي تطرحها الثورة التكنولوجية والرقمية وفي صلبها ثورة الخوارزميات الموجهة والضابطة التي اخترقت الحدود الوطنية وحتى خصوصيات الأفراد. وهي تحديات ما فتئت تهدد بشكل فظيع سوق التعليم والتعلم والشغل والمهن التقليدية، وتطرح بالمقابل مهناً جديدة في نوعها وطبيعتها والكفايات والمهارات التي تحتاجها، وتهدد كذلك حتى النمط الكلاسيكي لسبل ومصاعد الارتقاء الاجتماعي، والتراصف الداخلي للبنيات الاجتماعية. كما تعيد بناء مفهوم المواطنة ومنظومات القيم والمعايير والمقاييس الاجتماعية المرتبطة بالعيش المشترك وأنماط الروابط الاجتماعية والعلاقات السائدة، وبنية السلطة في معناها العام. بما أدى إلى انبثاق وهيمنة سلطتين جديدتين هما: سلطة المعرفة المرتبطة باقتصاد المعرفة وبسوق المعلومات ومصادر تجميع واستثمار وتسويق البيانات، وبالتفوق في التصنيع التكنولوجي الخارق والإنتاج الرقمي الصلب والناعم. وهو ما أصبح يشكل تحديا كبيرا بالنسبة للدول المستهلكة، ليس فقط على مستوى اقتصادياتها، وإنما بشكل أكثر خطورة على مستوى سيادتها الوطنية وأمنها العام واستقرارها السياسي والاجتماعي وخصوصياتها الثقافية. ثم سلطة المال، التي، بإمكانياتها الصلبة والناعمة، وقدرتها الاختراقية السائلة، باتت على استعداد متواصل لالتهام باقي السلط، ما لم تنجح الدولة في حماية وظائفها وتأمين فعالية القوانين وتحصين استقلالية باقي السلط ومؤسساتها وباقي مؤسسات الحكامة والوساطة. بالإضافة إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى الأثر الكبير الذي تحدثه هذه الثورة الرقمية المتواصلة بشكل مريع على الروابط والعلاقات الاجتماعية، وعلى سيرورة النمو المعرفي والنفسي والعاطفي والاجتماعي للأفراد عامة، وعلى سيرورة النمو المعرفي والمهاراتي للأطفال، وعلى ذكاءاتهم المختلفة، وعلى علاقتهم بالأجهزة الرقمية الوسيطة وثقتهم العمياء فيما توفره لهم من معارف وإمكانيات للتعلم والمتعة والفرجة بأقل تكلفة وبأكثر ثراء وانسيابية.

أمام هذه التحولات والتحديات التي أحدثتها هذه الثورة التكنولوجية والرقمية وخاصة على مستوى مواقع التواصل الافتراضي والاتصال الرقمي، كان لا بد أن تتأثر المدرسة، تبعا لذلك، بالتحول النوعي الذي عرفه الفضاء العمومي في انتقاله من محدودية المكان إلى افتراضية الكينونة الرقمية، والمجال العمومي بانتقاله من الوضع المادي الصرف إلى الوضع المزدوج: المادي المؤسساتي والرقمي الشابك، والحقل الاجتماعي بانفتاحه على الرأسمال اللامادي والخلفيات الثقافية والرمزية والمكانة الاجتماعية كآليات للهيمنة والانتماء إلى مربع السلطة والنفوذ.

وعلى هذا الأساس، لم تعد المدرسة تحتكر وحدها وظائف التعليم والتعلم والتثقيف والتكوين والتنشئة الاجتماعية، أو على الأقل لم تعد تحتل تلك المكانة المحورية التي كانت تحظى بها في السابق؛ وإنما صارت مجرد مورد من الموارد، إن لم نقل أقلها فعالية وتأثيرا، بعدما تمكن هذا النموذج الرأسمالي عبر ترسانته الإنتاجية والإعلامية من إدماج الجيل الجديد من المتعلمين في عالم الخوارزميات والوسائط الذكية، وساهم بقوة في توسيع الفوارق في الولوج إلى المعرفة ومصادرها الجيدة، وتمكن في موازاة ذلك، من تقليص الأدوار التقليدية للأسرة في أنشطة التربية والتنشئة الاجتماعية والحد من فعالية المواكبة الوالدية. وتبعا لذلك، صار التعليم والتعلم استثمارا في بورصة المصعد الاجتماعي، يتحكم فيه حجم الرأسمال المادي والرمزي الثقافي والاجتماعي للأسر، وصار لمعيار الاستحقاق معنى آخر غير الجدارة والكفاءة، ولمقاييس النجاح معاني أخرى غير الاجتهاد والمثابرة. ومن ثمة، فقد أضحت المدرسة أكثر ارتباطا بالسوق وأكثر ارتباطا بالخلفية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأسر على حساب ارتباطها الطبيعي بالتنشئة الاجتماعية والتثقيف وبناء نموذج المواطنة.

وهكذا ربما في القريب العاجل ستصبح المدرسة، في نموذجها التقليدي، عاجزة عن القيام بوظائفها، ما لم تُعِد النظر في ذاتها، من حيث وظيفتها الاجتماعية والمجتمعية، ومن حيث فعاليتها في التربية على الحياة المتضمنة للتربية على القيم والتربية على الاختيار والتربية الرقمية وتنمية وتطوير التعلمات الوظيفية الأساسية والكفايات النوعية والمهارات الحياتية ومهارات التفكير العليا، ومن حيث المقاربات البيداغوجية والديداكتيكية والعلاقات البيداغوجية، ومن حيث فعالية وملاءمة البيئة المدرسية مع حاجات التعلم والمتعلم، ومن حيث آليات المواكبة للمشاريع الشخصية للمتعلمين، وآليات تقييم الأداء وتقييم التعلمات وتقييم المردودية المؤسسية.

ليس هناك اختلاف كبير حول تشخيص الوضعية الراهنة للمدرسة المغربية، إن على مستوى عدالة وجودة الولوج، أو على مستوى جودة الأداء، أو على مستوى جودة التعلمات والمخرجات. ولا حتى هناك اختلاف كبير حول طبيعة أزمة المدرسة البنيوية الممتدة جذورها في الماضي ولعقود متراكمة. لكن لا بأس أن نشير إلى أمور نجدها جوهرية مرتبطة بهذه الأزمة البنيوية ومنها:

أولا، التنوع المعيب بمقياس التوحيد كمبدأ أساس من المبادئ الأربعة الذي شكلت دعامة من دعامات الوعي الإصلاحي الذي تبنته الحركة الوطنية الديموقراطية في العقود الأولى من الاستقلال إلى جانب مبادئ المغربة والتعميم والتعريب. لأنه لا يمكن الحديث عن المدرسة كمؤسسة للتربية والتنشئة الاجتماعية وللتعليم والتثقيف والتكوين والتأهيل المهني، في دولة صاعدة، موحَّدة في ترابها وفي نظامها وفي ثوابتها الجامعة، إلا باعتبارها مؤسسة موحَّدة في نموذجها البيداغوجي وموحِّدة للهوية المشتركة والمصير المشترك ولمعايير العيش المشترك. وهنا لا بد من التمييز بين التنوع في النموذج البيداغوجي وبين تنويع العرض المدرسي من جهة، وبين التنوع في النموذج البيداغوجي وبين تنويع المقاربات البيداغوجية وتنويع الأطر المنهجية لتصريف هذا النموذج البيداغوجي من جهة ثانية. كما لا بد من التأكيد على أن التنويع في العرض التربوي والتنويع في المقاربات وفي الأطر المنهجية لتصريف النموذج البيداغوجي لا ينفي وجود مدارس القطاع الخاص إلى جانب مدارس القطاع العام والمدارس الشريكة ما دام النموذج البيداغوجي موحَّد في مكوناته بين مختلف هذه المدارس، وتعمل جميعها على إنتاج نفس المخرجات ونفس المواصفات ونفس ملمح التخرج، سواء تعلق الأمر بمجال التنشئة الاجتماعية أو بمجال الكفايات والمهارات وباقي المؤهلات؛

وثانيا، تحول المدرسة المغربية إلى آلية من آليات الفرز الاجتماعي الناعم، نتيجة انقسامها النوعي إلى بنيتين ترتبط كل منهما بخلفية سوسيو اقتصادية: بنية مدرسية خصوصية مرتبطة ببنية اقتصادية نافذة كمجال استثماري ريعي، وكفضاء خدماتي محدود الاستقطاب وشروط الاستحقاق ومنفتح على الفئات والشرائح الاجتماعية المقتدرة ماديا. غايتها إنتاج النخب الاستثمارية والقيادات والمديرين التنفيذيين. مقابل بنية مدرسية عمومية معتلة غارقة في مشاكلها المتراكمة وأزماتها البنيوية التي لم تستطع جملة الإصلاحات التي خضعت لها الوصول إلى مفاتيح انقاذها وإخراجها من تحت مطرقة هذه الأزمة البنيوية الهيكلية المتراكمة. والغاية من هذه البنية المدرسية إنتاج الأطر الإدارية والنخب الوسيطة والأطر التنفيذية والتقنية العليا والأطر التقنية المتخصصة واليد العاملة المؤهلة والمدربة؛

ثالثا، تراجع المدرسة العمومية عن دورها الاجتماعي كمصعد للارتقاء الفردي والاجتماعي، وعن دورها التاريخي في تنمية الطبقة الوسطى وإغناء أدوارها لدعم التحول وتحقيق التنمية، إذ لا يخفى على أحد دور الطبقة الوسطى في تنمية الإنتاج وتحريك السوق والمساهمة في الاستقرار الاجتماعي وحفظ التوازنات بين البنى الاجتماعية. وفي غياب هذا الدور الذي كانت تلعبه المدرسة، إلى جانب عوامل أخرى، بدأت الطبقة الوسطى تتلاشى أطرافها وتتقهقر في اتجه الطبقة الدنيا التي لا تزداد تحت ضغط الحياة اليومية وتدني القدرة الشرائية إلا اتساعا وتركيبا وإنتاجا للحقد الاجتماعي والعنف ولمختلف عوائق التنمية والاستقرار الاجتماعي.

رابعا، ما انتهت إليه المدرسة العمومية في العقود الأخيرة من وضع مترد بالجملة (تعثر في تعميم بنية الاستقبال – ارتباك في ترسيخ مقومات الحكامة وتدني مؤشرات النجاعة – رداءة الخدمات- الهشاشة الوظيفية- ضعف التأثير والفعالية– عدم ملاءمة المخرجات- …).كل هذا جعل البنية المدرسية العمومية فاقدة للثقة، ضعيفة المردودية الاجتماعية، وغير فعالة في التنمية، وداعمة للفرز الاجتماعي وتعميق الفوارق بين الفئات والشرائح الاجتماعية.

ليس من الصعب إذن تفسير أو حتى تبرير هذا الاهتمام الكبير الذي صار يحظى به موضوع التربية والتكوين في الآونة الأخيرة من قبل الدولة والمجتمع على حد سواء. ومع ذلك، ليس بالأمر الهين الإحاطة بكل ما يمكن أن يكون موضوعا للتداول في ساحة النقاش العمومي حول المدرسة وتجاربها الإصلاحية المتعددة. ومع ذلك، لا بد، في هذا الإطار، من التأكيد على أن الحديث عن تطور النموذج الإصلاحي للمدرسة المغربية يقتضي التمييز بين أربع مراحل أساسية من تاريخها وهي: مرحلة ما قبل الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، التي اتسمت فيها التجارب الإصلاحية، عموما، بانفراد الدولة واستحواذها على القرار المدرسي والتربوي في الرؤية والتخطيط والتنفيذ، علما بأن هذا القرار لم يكن قرارا مستقلا عن الرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا حتى عن توجيهات صندوق النقد الدولي وخاصة منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. ثم مرحلة ثانية هي مرحلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى حدود سنة 2011، أطرتها التحولات السياسية التي سادت بعد منتصف تسعينيات القرن الماضي، وكانت من بين مستلزمات الانتقال الديموقراطي. وهي مرحلة اتسمت فيها تجربة إصلاح منظومة التربية والتكوين، ولأول مرة في تاريخها، منذ الاستقلال، بالتوافق بين الدولة والمجتمع في تشخيص حالة المنظومة وبناء الاختيارات والرؤية الإصلاحية، لكن مع ذلك، ظلت الدولة تحتفظ بقرار التخطيط والتنفيذ في إطار تدبيرها للسياسات العمومية لهذا القطاع.

ثم مرحلة ثالثة هي مرحلة ما بعد دستور 2011، واتسمت بارتباك ملحوظ في قيادة الإصلاح وتوجيه مساره وتدبيره وتنفيذه وخاصة أنها انبثقت من رحم مزدوج: البرنامج الاستعجالي (2009-2012) الذي لم يكن قد استنفذ مداه، ولم يكن قد حقق أهدافه، بل ولم يتم حتى تقييمه، ثم المخاض الاجتماعي والمستجدات الدستورية والسياسية التي حملتها هذه النسخة الدستورية. ومع ذلك، يمكن اعتبارها مرحلة غنية ونوعية في سيرورة تجديد المدرسة المغربية. لأنها شهدت ميلاد النص المؤسس للمدرسة الجديدة المتمثل في الرؤية الاستراتيجية (2015-2030)، وانتهت كذلك بالارتقاء بالتوافق الأخلاقي الذي أسس له الميثاق الوطني للتربية والتكوين كجواب إصلاحي ممكن في سياقه، إلى التعاقد القانوني الملزم لتأطير النموذج الإصلاحي، وهو ما يمكن اعتباره انتقالا نوعيا في نموذج إصلاح المدرسة المغربية، بحيث جعل الرؤية الإصلاحية رؤية ضابطة للرؤية السياسية المرحلية وللحسابات السياسية للفاعل السياسي والإداري، بل وقدم هذا التعاقد القانوني الملزم نفسه باعتباره مرجعا أساسيا للاحتكام والتحكيم والمساءلة والمحاسبة، وباعتباره مرجعا يجب أن تمتح منه البرامج التنفيذية للسلطات الحكومية تصوراتها المرحلية. ثم مرحلة رابعة بدأت مع خارطة الطريق (2022-2026)، جاءت في خضم التحولات السياسية التي عرفتها البلاد مع انتخابات 2021، وفي ظل النموذج التنموي الجديد الذي دعا إلى إحداث نهضة تربوية تكون في صلب هذا النموذج، وفي ظل مشروع الدولة الاجتماعية كذلك التي أطلقه جلالة الملك. وهي مرحلة اتسمت بربط النموذج الإصلاحي بالزمن الانتخابي من حيث الرؤية والتخطيط والتنفيذ بما جعل هذه التجربة الإصلاحية تنـزاح عن مسار الإصلاح، وتنحاز إلى الرهان الانتخابي والمصلحي للنخب المالية المهيمنة ورهانات المؤسسات النقدية الدولية والاستثمار العابر للقارات على حساب الرهان الوطني المتطلع إلى ترسيخ العدالة المدرسية كمدخل من مداخل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. ومن ثمة يمكن اعتبار هذه المرحلة مرحلة نوعية فارقة سيكون لها ما لها وما عليها في سيرورة بناء المدرسة المغربية الجديدة.

بناء على كل هذا، يصير السؤال الأكثر جدية هو: أما زال مقبولا الحديث اليوم، بعد كل هذه التجارب والإجراءات الإصلاحية عن أزمة المدرسة التي وُصفت بشكل متواتر بالأزمة البنيوية المركبة، أم هو دعوة للحديث عن أزمة النموذج الإصلاحي، ذاته، الذي ظل يراوح مكانه ويدور في دوائر مغلقة من إصلاح الإصلاح حتى مع وجود نص مؤسس للمدرسة الجديدة ونص قانوني ملزم يحدد الاختيارات والتوجهات ويؤطر مسارات تفعيل الإصلاح؟

لا شك، أن إصلاح منظومة التربية والتكوين كان ولا زال مطلبا اجتماعيا بامتياز، تدفقت من أجله الاحتجاجات من داخل المنظومة ومن خارجها، طيلة تاريخ منظومة التربية والتكوين. وأصبح هذا المطلب أكثر كثافة وعمقا مع العهد الجديد بعدما تم ربط التنمية البشرية بتحقيق العيش الكريم والعدالة الاجتماعية والمجالية.

لكن الملاحظ منذ بداية العقد الثالث من هذا القرن، وخاصة مع توالي الأزمات (أزمة كوفيد 19 – التضخم وتراجع القدرة الشرائية – ضعف النمو- التطور التكنولوجي – فقر التعلم -…) من جهة، والتحول الذي عرفته بلادنا على مستوى تدبير السياسات العمومية في ظل التصريح الحكومي (2021) من جهة ثانية، تم إقرار نموذج إصلاحي جديد تضمنته خارطة الطريق (2022-2026)، منطلقا من تشخيص، يحتاج في اعتقادنا إلى كثير من التدقيق، وثَّقه الموقع الرسمي” مدرستنا – madrastna.ma). من بين ما تضمنه: ” لقد استمرت أزمة المدرسة المغربية لأكثر من عقدين من الزمن رغم سلسلة من مبادرات الإصلاح انطلقت مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، وتواصلت مع البرنامج الاستعجالي (2008)، والتدابير ذات الأولوية (2014)، والرؤية الاستراتيجية 2015-2030 (2015)، ثم القانون الإطار رقم 51.17 (2019). وعلى الرغم من طموح كل هذه المبادرات، نحو إحداث التغيير، إلا أنها فشلت في تصحيح مسار المنظومة التربوية، وبالتالي فقد أصبح من اللازم، اليوم، العمل على تقليص الفجوة الفارقة الموجودة بين السياسة التربوية وبين الواقع الميداني وما يجري داخل الفصل الدراس”.

هو نموذج إصلاحي جديد، على ما يبدو، تم اعتباره بديلا لتجاوز الأزمة التي استمرت ” أكثر من عقدين من الزمن” ولتجاوز فشل” مبادرات الإصلاح” و” لتصحيح مسار المنظومة التربوية”. وفي ظله أصبحت الاحتجاجات أكثر كثافة ونوعية منذ مطلع الموسم الدراسي (2022-2023)، حيث خرج المدرسون للاحتجاج تحت سقف تنسيقياتهم الوطنية ونقاباتهم المهنية (2023) والترافع من أجل نظام أساسي عادل وضامن للحق في الاستقرار الوظيفي وللحق في الترقي، ومن أجل تحسين الأجور وظروف العمل. وهي احتجاجات ما زالت مستمرة، بشكل أو بآخر، من طرف هذه الفئة أو تلك، وإن كانت قد صارت محدودة الفعالية والأثر، حتى بعد إقرار نظام أساسي جديد، دون أن يفوتنا التذكير بأن عددا من مواد هذا النظام الأساسي ما زالت أحكامها تنتظر التفعيل التنظيمي والإجرائي رغم أنها ليست مقتضيات هامشية وإنما هي مقتضيات تنظيمية وإجرائية جوهرية بعضها يرتبط حتى بتفصيل مهام الأطر وتأطيرها الوظيفي. كما تدفقت من رحم العالم الافتراضي، منذ الأسبوع الأخير من شهر شتنبر الماضي (2025) دعوة أطلقها الشباب للاحتجاج من أجل مطالب قاعدية أساسية منها التعليم والصحة قبل أن يتم توسيع هذه المطالب وتأطيرها تحت شعار العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة وتفعيل المبادئ الدستورية وعلى رأسها ربط المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة.

في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن الحكومة من خلال خارطة الطريق 2022-2026 لتصحيح مسار الإصلاح راهنت بقوة على إدخال تعديلات جوهرية تمس في العمق البعد الوظيفي لهذا القطاع الاجتماعي الاستراتيجي في إطار منظورها للتحول نحو المستقبل. وكانت قد جعلت منه واحدا من أهم بنود برنامجها الانتخابي وكموضوع ذي أولوية ضمن تعاقدها الانتخابي مع كتلة الناخبين وخاصة في إطار برنامجها التنفيذي لخيار الدولة الاجتماعية كخيار استراتيجي.

ومع ذلك يجب التأكيد على أن هذه التعديلات التي جاءت بها الحكومة “لتصحيح المسار” على حد قولها، وتضمنتها خارطة الطريق (2022-2026) من أجل تعليم ذي جودة للجميع، حددت أهدافها بدقة. وتضمنت جملة إجراءات تخص ثلاثة محاور هي: التلميذ والأستاذ والمؤسسة. واعتمدت اثني عشر التزاما ومجموعة معايير تستهدف تيسير وتحسين الولوج وتحسين شروط الاحتفاظ وتحسين سيرورات الأداء والنتائج وتحقيق الأثر. وهي من دون شك، تشكل انتقالا نوعيا في الرؤية التنفيذية الإجرائية إذا ما تمت مقارنتها بالعمليات والإجراءات التنفيذية التي سبقتها، على الأقل خلال العشر سنوات الأخيرة. وهي كذلك تحقق تراكما حقيقيا على مستوى جودة الأداء، وجودة التدبير التقني، وجودة آليات التقييم والمواكبة وقياس الأثر. لكن ما يجب التأكيد عليه في المقابل، هو أن تقديم هذه الرؤية التنفيذية تم بيدين متقابلين وعلى التوازي: يد أولى استهدفت تحسين الوضعية المادية للأطر العاملة بالقطاع وتعديل معايير الترقي والاقتراب الفعلي من وضعية الهشاشة المرصودة في البنية التحتية وفي التجهيزات وفي بنية التنفيذ وفي التكوين والتأطير والممارسات المهنية وعلى رأسها مهام التدبير والتدريس، في مقابل إجراء تحولات عميقة في الأدوار والوظائف والمهام والعلاقات المهنية ومنظومة الأداء بما يجعل تقييم فعالية ومردودية التلميذ ومختلف الفاعلين (المدرس- أطر الدعم والتوجيه- المدير- المفتش) والمؤسسة أيضا أمرا ممكنا على أساس عقود نجاعة الأداء. ويد ثانية استهدفت تصحيح مسار الإصلاح عن طريق تدقيق الأهداف وربطها بالزمن الانتخابي القابل للملاحظة وقياس الأثر الكمي، في مقابل إجراء تحول عميق في الاختيارات البيداغوجية ومقاربات التدريس في أفق إعادة بناء صنافات الوظائف المنوطة بمدرسة المستقبل ضمن المنظومة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يدعمها النموذج الرأسمالي الليبرالي الجديد في صيغته المحلية. وهو ما يعني شكلا من أشكال تجميد فعالية النص المؤسس للمدرسة الجديدة، أو على الأقل وفي أحسن الأحوال، التحكم في سرعته، كما يعني خروجا عن منهجية النموذج الإصلاحي التي كان قد أقرها القانون الإطار 51.17، ووضع لها إطارا زمنيا ومسارات وتدابير كفيلة بتحقيق التفعيل الجيد لمختلف أحكامه. لكن في مقابل ذلك، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار السياق والتراكمات ومختلف الإكراهات والتحديات التي كانت تواجهها الإجراءات التنفيذية السابقة، من حيث الملاءمة والانسجام بين الرؤية وواقع التنـزيل، بسبب هشاشة الفاعلية الوسيطة وضعف المواكبة المهنية ومحدودية قدرة المؤسسات الإدارية الوسيطة على الاجتهاد والمبادرة والتعبئة والتواصل، يمكن اعتبار خارطة الطريق، هذه، بمثابة تدابير ذات الأولوية، كبيرة الأهمية، تغطي مرحلة انتقالية محدودة في الزمن، منفتحة على التحول بشكل مرن، وعبر مسار أكثر متانة وقوة، لترسيخ جيل جديد من الإصلاح، ينسجم مع الآفاق التي تطلع إلى تحقيقها القانون الإطار، ويتلاءم ورؤية 2035 التي اعتمدتها لجنة النموذج التنموي الجديد. وإذا ما اعتبرنا كذلك هذه التدابير ضرورية لإحداث التحول في الرؤية التنفيذية والتخطيط والأداء وخاصة أنها اعتمدت حقيبة من البرامج الدقيقة في أهدافها، وفي إجراءاتها، وفي معاييرها ومؤشراتها، وفي قدرتها على تحقيق الأثر القابل للملاحظة والقياس في المدى الزمني القريب والمتوسط.

اسنادا إلى ما سبق، يبدو أن المدرسة المغربية اليوم أمام سؤالين مختلفين: سؤال أزمتها البنيوية المركبة والمتراكمة عبر عقود من الزمن، وسؤال أزمة تعاقب التجارب الإصلاحية “غير المجدية” والتي لم تحقق أهدافها. وإذا كانت أزمة المدرسة هي في عمقها أزمة مرتبطة بنموذج تفعيل الإرادة السياسية، وأزمة نموذج مدرسي يتطلع النظام الرأسمالي ومعه النخب المالية المحلية إلى ترسيخه، وأزمة حكامة في تدبير التقائية السياسات العمومية في قطاع التربية والتكوين، وأزمة حكامة تدبيرية للقطاع وخاصة على مستوى تفعيل مبدأ الجهوية المتقدمة في قطاع التربية والتكوين، وأزمة تعبئة المجتمع السياسي والمدني حول التحديات التي تواجهها مدرسة اليوم والمستقبل؛ فإن عناصر الجواب عن سؤال أزمة الإصلاح تكمن في طبيعة النموذج الإصلاحي، ذاته، وفي شرطياته وآفاقه وشروط إنجازه. بما يفيد أن إصلاح المدرسة لا يمكن أن يكون إصلاحا تقنيا أو جزئيا أو اختزاليا غارقا في نماذج التجريب والوصفات المستوردة من خلال مخططات وبرامج تنفيذية محدودة الأفق، ومرتبطة في الوقت ذاته بالأزمنة الانتخابية، وإنما يجب أن يكون إصلاحا بنيويا يتجه أولا إلى الاختيارات الموجهة للمدرسة ضمن بنية الاختيارات المتعلقة بالدولة الاجتماعية ورهانات العدالة الاجتماعية والمجالية، والسيادة التربوية، وبرهانات التنمية المندمجة التي يجب أن تلعب فيها المدرسة ذلك الدور الأساس والقاطرة التي تنتج الأفق وتحدد معالمه وتدعمه بالبحث العلمي والاستجابات العلمية والقيمية والمهاراتية التي تعطي للإصلاح معنى، وتعطي للمدرسة قيمتها بين مؤسسات الدولة والمجتمع، ويعطيها دورا محورية في بناء مسارات التحول وصناعة مستقبل الوطن. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا على أساس التوحيد الذي في قلبه يتمركز النموذج البيداغوجي الموحد في كل مكوناته، من مصفوفة الاختيارات المؤسسة للنموذج المغربي في المواطنة إلى عمليات التقييم والامتحانات الوظيفية، مرورا بالمقاربات البيداغوجية والهندسة اللغوية وخيارات التوجيه والمواكبة الفردية للمتعلمين في مشاريعهم الشخصية. وهذا التوحيد لا يمكن أن يكون متلائما ومنسجما مع شرطيات الإمكان التاريخي والسياق الراهن لمنظومات التربية والتعليم والتكوين والتأهيل المهني إلا استنادا إلى التوجيهات الملكية السامية، ثم استنادا إلى النص المؤسس للمدرسة الجديدة (الرؤية الاستراتيجية 2015-2030)، وفي إطار أحكام القانون الإطار 51.17، والتعاقد المجتمعي الجديد حول منظومة التربية والتكوين الذي دعا إليه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في دجنبر 2024. وأن كل محاولة إجرائية للإصلاح من خارج هذا الإطار المتعدد المداخل يعتبر انزياحا وخروجا مقصودا عن سكة الإصلاح الحقيقي مهما كانت المبررات، وخاصة إذا تعلق الأمر بالنموذج البيداغوجي الذي هو جوهر عمل المدرسة وقيامها بوظيفتها.

خلاصة القول: إن إصلاح المدرسة إصلاحا بنيويا وجريئا كاختيار استراتيجي من بين الاختيارات الاستراتيجية التاريخية لأمة صاعدة، ولأمة في وضعية تحول عميق يستجيب لتطلعات الدولة والمجتمع، وفي وضعية انتقال تاريخي نوعي محكوم بسياق الوضع المتقدم الذي عرفه ملف قضية وحدتنا الترابية، وما يستلزمه هذا الانتقال التاريخي من تحصين لمنافذ التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها المدرسة، لترسيخ الهوية المشتركة المتعددة الروافد، وترسيخ الثوابت الجامعة للأمة المغربية الموحَّدة والموحِّدة، وترسيخ منظومة القيم ومعايير العيش المشترك، وتأمين المصير المشترك من جهة أولى، وكخيار من خيارات ترسيخ مستلزمات العدالة الاجتماعية والمجالية التي تعتبر العدالة المدرسية والإنصاف في صلبها، من جهة ثانية، وكمجال من مجالات تفعيل الحق في التنمية وعلى رأسها الحق في تعليم عصري ميسر الولوج جيد وذي جدوى انسجاما مع المقتضى الدستوري من جهة ثالثة، هو مطلب وطني أساسي قائم على التعاقد المجتمعي حول المدرسة وعلى الإلزام القانوني والمؤسساتي. ومن ثمة، لا يمكن أن يكون مجالا للمزايدة السياسية والإيديولوجية، ولا أن يكون مجالا خاضعا لهيمنة اللوبيات مهما كانت طبيعتها، ولا مجالا ريعيا أو استثماريا مدرا للربح الفاحش. مادامت قضية التربية والتكوين هي القضية الثانية بعد قضية وحدتنا الترابية، تقتضي التحصين المؤسساتي؛ وأن في تحصينها تحصين لوظائفها المتعددة؛ وفي تحصين هذه الوظائف، باختياراتها ومضامينها المحددة، تحصين لنموذج مواطن الغد الذي تسهم في بنائه وفي تعزيز خصوصيته.

إقرأ الخبر من مصدره