الإعلام الفرنسي يُحول التدين إلى تطرف بقراءة منحازة لاستطلاع حديث

Écrit par

dans

بدل أن يناقش الإعلام الفرنسي نتائج استطلاع المعهد الفرنسي للرأي العام (Ifop) بموضوعية، اختارت بعض المنابر تضخيم المؤشرات الدينية لدى المسلمين في فرنسا لتقديمها بوصفها خطرا آخذا في الصعود.

فالدراسة الأصلية، المُنجزة لصالح مجلة Écran de veille، تسجل ظاهرة اجتماعية طبيعية مرتبطة بالهوية الدينية، لكنها تُستغل إعلاميا هذه الأيام لتأكيد أطروحة الإسلام المهدّد التي روج لها منظر صدام الحضارات، صامويل هنتنغتون، في تسعينيات القرن الماضي.

وبحسب الاستطلاع، ارتفعت نسبة المسلمين في فرنسا إلى نحو 7 في المائة، ليصبح الإسلام ثاني ديانة في البلاد، لكن الأرقام، التي تعكس ببساطة زيادة ديموغرافية وعودة إلى التدين، جرى تقديمها في الصحافة على أنها عودة الإسلام بما يشبه “الثورة الفرنسية”، وكأن التدين بحد ذاته انقلاب اجتماعي خطير.

يؤكد الاستطلاع أن 80 في المائة من مسلمي فرنسا متدينون ويصلون يوميا بنسبة أكبر من أتباع الديانات الأخرى، إلا أن التغطيات الإعلامية لم ترَ في ذلك سوى “إعادة أسلمة”، مُحوِّلة حقا دستوريا وطبيعيا في ممارسة العبادة إلى علامة توجه راديكالي.

حتى الصيام في رمضان ـ وهو ركن ديني عالمي يمارسه أكثر من مليار مسلم حول العالم ـ قُدِّم باعتباره دليلا على “قدرة الإسلام على فرض قواعده على الحياة اليومية”. أما الامتناع عن شرب الكحول، الذي يُعد خيارا صحيا وأخلاقيا في ثقافات عديدة، فقد عُرض في بعض المقالات رمزا لرفض قيم المجتمع الفرنسي.

ومن أبرز ما يكشف التحامل الإعلامي هو التعامل مع الحجاب، فالدراسة تشير بوضوح إلى أن 80 في المائة من النساء يرتدينه عن قناعة دينية شخصية، وأن 2 في المائة فقط تحت ضغط عائلي.

لكن بدل التركيز على هذا المعطى الذي يفنّد خطاب الإكراه، اختارت وسائل الإعلام إبراز نسب الرفض للتقبيل أو السلام الجسدي باعتبارها دليلا على التشدد النسائي. هنا يتحول الاختيار الفردي الحر إلى “علامة تطرف” بمجرد أنه مرتبط بالإسلام.

تكشف الأرقام أن الشباب المسلم أكثر التزاما دينيا من الجيل السابق، وهو أمر تفسره أي دراسة اجتماعية بعودة الهويات في عالم مُعوَلم. لكن الإعلام الفرنسي يسارع لتوصيف ذلك براديكالية الجيل الجديد، مع التركيز على أن نسبة منهم ترغب في احترام الشريعة أو تحديث الإسلام. لا أحد في هذا الخطاب الإعلامي يسأل: أليس من الطبيعي أن يكون الشباب أكثر حماسة في أي معتقد؟ أليس ذلك حقا فكريا؟

كما تستغل بعض المنابر جزءا من الاستطلاع الذي يقر بأن 33 في المائة من المسلمين يشعرون بقرب فكري من تيارات إسلامية متنوعة، لكن بدل التمييز بين فكر دعوي وإصلاحي واجتماعي أو سياسي، يجري وضع الإخوان والسلفية وحتى “الجهاد” في خانة واحدة، وكأن كل ما هو إسلامي يصبح أوتوماتيكيا “خطرا أمنيا”.

هذا الخلط المتعمد يلغي الفوارق الفكرية والسياسية، ليصنع صورة نمطية مفادها أن المسلم الملتزم مشروع متطرف، رغم من أن الاستطلاع نفسه لا يتهم المسلمين بالتطرف، ولا يقول إن التدين تهديد، لكن التأويل الإعلامي هو الذي حول مؤشرات طبيعية على ممارسة الدين إلى سردية “الأسلمة الزاحفة”، وهكذا تتحول الصلاة إلى راديكالية والصيام إلى تحد للدولة والحجاب إلى تهديد للنظام الاجتماعي والهوية الدينية إلى خطر حضاري، إنها عملية ممنهجة لشيطنة الإسلام عبر الأرقام.

إقرأ الخبر من مصدره