عبد العالي بطل
في زمنٍ تتزاحم فيه الكلمات والاقوال وتتشابك فيه الحقائق بالأوهام، تعود إلى الواجهة تلك العبارة القاطعة والصريحة التي ادلى بدلوها عمرو بن العاص لصديقة في الجاهلية مسيلمة الكذاب حين قال فيها له” والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب.” هذه العبارة التي في الحقيقة لم تكن مجرد جملة أو مقولة عابرة، بل هي درس وإعلان صريح على انكشاف وإظهار ما وراء الستار، كما أنها لحظة فاصلة بين الحقيقة والكذب، وجب على الكل منا التقيد بها كما لو انها كُتبت لنا.
فحقيقة تذكر أن عالمنا اليوم يعيش حالة تضخم في صناعة الأكاذيب. وخير دليل على هذا ما أصبحنا نشاهد من خلال المواقع الدخيلة على بيوتنا دون سابق انذار والمروجة لبعض الأكاذيب والحقائق المزيفة بغيت الشهرة والربح السريع ولو على حساب الغير، هاته الأخيرة التي ابرزت لنا وجوه وللأسف تتحدث وهي بكامل الثقة على الرغم من معرفتها التامة انها تخدع الاخرين وتضر بهم.
فالسؤال الذي يفرض نفسه هل فعلا لا يزال الباطل والكذب قادرًا على خداع الجميع؟ طبعا لا تم لا ، ولكن في بعض الأحيان وعلى المدى القريب ربما نعم.
لذا فإنني ارى ان اهم إجابة والتي اعتبرها في نفس الوقت أكثر حداثة من أي وقت مضى رغم عمرها القديم عن هذا السؤال هي المقولة التي صاغها عمرو بن العاص قبل قرون لمسيلمة الكذاب والتي مفادها انه لا يمكن لاي شخص كذاب ان يجرؤ على اختراع قصته والاستمرار فيها خصوصا اذا ما علم أن الطرف الاخر قد اكتشف أنه يكذب، والأكثر من هذا عندما يوقفه عند حده وفي لحظتها.
لهذا أرى ان موقف عمرو بن العاص لمسيلمة الكذاب هو بمثابة رسالة مباشرة تقول لنا إن الناس مهما تظاهروا بالتصديق فانهم لا محالة هم يدركون الحقيقة متى ما عزف الكذب نشازه. وأن الصمت أمام الزيف ليس بالضرورة قبولًا، بل قد يكون انتظارًا للحظة التي تُقال فيها الحقيقة بوضوح لا يدع مجالًا للمراوغة.
فاليوم، وبينما يتصدر المشهد كثيرون يحاولون “تأليف آياتهم الخاصة كما ألفها مسيلمة الكذاب”، سواء في السياسة أو الإعلام أو التجارة أو شبكات التواصل، يصبح استحضار تلك العبارة ضرورة أخلاقية ومهنية. فالمجتمعات لا تنهض إلا حين يواجه أهلها الزيف بلا خوف، ويضعون بين الكلمة وفعلها مرآة تكشف المستور.
لذا فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى أناس يمكنها ان تقول لمن يمارس الخداع:
والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب.” ليس باعتبارها اتهامًا، بل باعتبارها واجبًا خصوصا اذا كان لها ضرر على الطرف الاخر، لأن الحقيقة لا تحمي نفسها، ولأن ضوءها لا يمكن أن يسطع إلا حين يتجرأ أحدهم على كشف الظلام.
وبينما يتغير العالم ويتبدل المشهد كل يوم، تبقى هذه العبارة درسًا خالدًا: قد يعيش الكذب عامًا أو أعوامًا، لكن لحظة معرفته — ومعرفته بأنك تعرف — هي الحد الفاصل بين عصرين: عصر يختبئ فيه الباطل، وآخر يُرفع فيه الستار.
وهكذا، فإن صرخة عمرو بن العاص لا تنتمي فقط للتاريخ، إنها جملة مستقبلية، نحتاج أن نرددها كلما حاول “مسيلمة جديد” أن يبيع الوهم بثوب الحقيقة وعلى حساب المصلحة.