أسرار التصوف

Écrit par

dans


أحمد بلحاج آية وارهام
مفتتح

ليس التصوف مذهباً يُقاس بميزان العقل المجرد وحده، ولا هو انخطافٌ عاطفي يُعفي صاحبه من قوانين الواقع، بل هو طريقٌ يبدأ حيث تنتهي الأقوال وتبدأ الأحوال، حيث يُسأل القلب: هل أنت عبدٌ لما خُلقتَ له، أم أسيرٌ لما خُلق لك؟ فمن رآه خرافةً رأى ظلَّه في مرآة النهار، ومن عرفه حقيقةً رأى النهار ظلاً في مرآة قلبه.

1 ـ ليس هروبا من العالم

التصوف ليس هروباً من العالم، بل غوصٌ في أعماقه ليستخرج منه الدرر التي طمستها الأمواج المادية. إنه ليس رفضاً للعقل، بل تكميلاً له بضوءٍ لا يراه إلا من سلك الطريق. فالعقل وحده كالقنديل في ليلةٍ مظلمة، يضيء ما حوله ويترك ما وراءه في ظلمة، أما القلب المستنير فيضيء ما حوله وما وراءه، فيصبح هو نفسه قنديلاً للعالم.

من قال إن الجنيد والغزالي والرومي كانوا عالةً على أممهم؟ أولئك الذين ملأوا الدنيا علماً وأدباً وحكمةً قبل أن يخلوا إلى ربهم. كانوا علماء الشريعة قبل أن يكونوا أولياء الطريقة، يحفظون الحدود قبل أن يتجاوزوها إلى المقصود، يصلُّون بالناس قبل أن يخلوا بالله، فكيف يكونون معرقلين للتقدم وهم الذين أحيَوْا العقول قبل القلوب؟

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

إن الخرافة ليست في أن يقول السالك: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً»، بل الخرافة الحقيقية أن نعتقد أن الإنسان كائنٌ مادي فقط، وأن الحياة مجرد تفاعلات كيميائية تنتهي بموت الخلايا. الخرافة أن نُقدِّس الآلة ونُهين الروح، أن نبني ناطحات سحاب تُعمي الشمس عن قلوبنا، ونظن ذلك تقدماً.

أما التصوف فلا يُنكر المادة، بل يضعها في موضعها: خادمة لا سيدة، وسيلة لا غاية. يقول الرومي: «أنت تبحث عن الماء في السراب، وفي قلبك نهر جارٍ». فالتصوف لا يحارب التقدم، بل يحارب التقدم الذي يُفقِر النفس وهو يُغني الجيب، والذي يُعْلي البنيان ويُهْدِم الإنسان.

إنه تنقيةٌ مستمرة، كمن يغسل وجهه كل صباح لا لأنه اتسخ بالأمس فحسب، بل لأن النقاء حالٌ لا يستقر إلا بالتجدد. ينقّي التصوف القلب من حب الدنيا الذي يجعل الإنسان يبيع آخرته بعرض من الدنيا قليل، وينقيه من حب الذات الذي يجعله يرى نفسه مركز الكون، وينقيه من حب السلطة الذي يُحوِّل الإنسان إلى ذئب لأخيه الإنسان.

وفي هذه التنقية يكمن سرّ مقاومته للتسلط المادي الظالم، لأن من ذاق حلاوة القرب من الله استغنى عن قرب السلطان، ومن رأى الله في كل شيء لم يعد يخاف من أحد سواه، ومن فنى عن نفسه لم يعد يطلب الوجود في عيون الناس. فالتصوف ثورةٌ صامتة ضد كل استعباد، سواء كان بالمال أو بالسلطة أو بالشهوة.

ولذلك كان الصوفية عبر التاريخ أكثر الناس شجاعة في مواجهة الظلم، لأن من لا يخاف الموت لأنه يحب اللقاء، لا يمكن أن يخاف سجاناً أو جلاداً. قال الشيخ عبد القادر الجيلاني للخليفة حين دعاه: «ما لي وللخلافة وقد ملكتُ ملكاً لا يزول؟». هذا هو التصوف: ليس انسحاباً من التاريخ، بل دخولٌ فيه من بابه الأعلى.

فإذا كان هناك تعطيل للتقدم، فهو ليس في التصوف، بل في سوء فهمه أو سوء استخدامه. كما أن الدين نفسه لم يعطل الأمم، بل عطلته الأمم حين تركت روحه وحفظت قشوره. والتصوف هو الروح التي إذا فُقدت صارت الشريعة قالباً فارغاً، وإذا حضرت صارت الدنيا جنةً يمشي فيها العباد قبل أن يدخلوها.

التصوف إذن ليس خيالاً ولا وهماً، بل هو أقرب الطرائق إلى حقيقة الإنسان. هو الذي يجعل العالم منطقياً مرة أخرى، لأنه يعيد الإنسان إلى مركزيته الكونية: ليس كمستعبد للمادة، بل كخليفة لله في أرضه، يعمر ولا يخرب، يبني ولا يهدم، يعطي ولا يأخذ، يحب ولا يكره.

2 – لا يقاس بميزان العقل

إنه لا يُقاس بميزان العقل الرياضي وحده، ولا هو انفعالٌ عاطفي يُعفي صاحبه من قوانين السببية والنتيجة، بل هو حالٌ يبدأ حيث تنتهي الكلمات وتبدأ الأنفاس، حيث يُسأل القلب سؤالاً واحداً لا ينطق به لسان: هل أنت عبدٌ لما خُلقتَ له، أم أسيرٌ لما خُلق لأجلك؟ فمن رآه خرافةً رأى ظلَّه في مرآة الشمس، ومن ذاقه حقيقةً رأى الشمس ظلاً في مرآة قلبه.

3 – ليس رفضا للعقل

إنه ليس رفضاً للعقل، بل تكميلاً له بنورٍ لا يُرى إلا بعينٍ سلمت من غبار الذات. العقل وحده كالقنديل في ليلةٍ عواصف، يضيء ما حوله ويترك ما وراءه في ظلمة، أما القلب المستنير فيضيء ما حوله وما وراءه، فيصبح هو نفسه قنديلاً للعالمين. قال الجنيد: «العقل رائد القلب، والقلب رائد الروح، والروح لا ترى إلا بنور الله». فكيف يُتَّهم من يمشي بهذا الترتيب بالخرافة؟

4 – ليسوا عالة على أممهم

من قال إن البسطامي والغزالي والرومي والجيلاني وابن عربي كانوا عالةً على أممهم؟ أولئك الذين ملأوا الدنيا علماً وأدباً وحكمةً وفقهًا قبل أن يخلوا إلى ربهم. كانوا علماء الشريعة قبل أن يكونوا أولياء الطريقة، يحفظون الحدود قبل أن يتجاوزوها إلى المقصود، يصلُّون بالناس قبل أن يخلوا بالله، يفتون في المواريث والحدود قبل أن يفنوا في الوجود. فكيف يكونون معرقلين للتقدم وهم الذين أحيَوْا العقول قبل القلوب، وأناروا الدروب قبل الأرواح؟

5 – الخرافة اعتقادك بأنك كائن مادي

إن الخرافة الحقيقية ليست في أن يقول السالك «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً»، بل في أن نعتقد أن الإنسان كائنٌ مادي فقط، وأن الحياة مجرد تفاعلات كيميائية تنتهي بموت الخلايا، وأن السعادة تُشترى ببطاقة ائتمانية، وأن القيمة تُقاس بعدد الأصفار في الحساب البنكي. الخرافة أن نُقدِّس الآلة ونُهين الروح، أن نبني ناطحات سحاب تُعمي الشمس عن قلوبنا، ونظن ذلك تقدماً، ثم نصرخ من الاكتئاب والوحدة والفراغ.

6 – المادة خادمة لا سيدة

أما التصوف فلا يُنكر المادة، بل يضعها في موضعها: خادمة لا سيدة، وسيلة لا غاية، مركوب لا راكب. يقول جلال الدين الرومي: «أنت تبحث عن الماء في السراب، وفي قلبك نهر جارٍ لا ينقطع». فالتصوف لا يحارب العلم ولا التكنولوجيا ولا الاقتصاد، بل يحارب التقدم الذي يُفقِر النفس وهو يُغني الجيب، والذي يُعْلي البنيان ويُهْدِم الإنسان، والذي يُنتج أسلحةً أكثر دقة في قتل البشر بدل أن ينتج قلوباً أكثر رحمة.

7 – النقاء المتجدد

التصوف تنقيةٌ مستمرة، كمن يغسل وجهه كل صباح، لا لأنه اتسخ بالأمس فحسب، بل لأن النقاء حالٌ لا يستقر إلا بالتجدد. ينقّي القلب من حب الدنيا الذي يجعل الإنسان يبيع آخرته بعرضٍ من الدنيا قليل، وينقيه من حب الذات الذي يجعله يرى نفسه مركز الكون، وينقيه من حب السلطة الذي يُحوِّل الإنسان إلى ذئب لأخيه الإنسان. قال ذو النون المصري: «من عرف الله استغنى عن الناس، ومن استغنى عن الناس أحبّه الناس». هذا هو سرّ التنقية: أن تُفرغ القلب من كل ما سوى الله، فإذا فرغ امتلأ.

8 – مقاومة للتسلط المادي

وفي هذه التنقية يكمن سرّ مقاومة التصوف للتسلط المادي الظالم. من ذاق حلاوة القرب من الله استغنى عن قرب السلطان، ومن رأى الله في كل شيء لم يعد يخاف من أحد سواه، ومن فنى عن نفسه لم يعد يطلب الوجود في عيون الناس. فالتصوف ثورةٌ صامتة ضد كل استعباد، سواء كان بالمال أو بالسلطة أو بالشهوة أو بالخوف. لذلك كان الصوفية عبر التاريخ أكثر الناس شجاعة في مواجهة الظلم، لأن من لا يخاف الموت لأنه يحب اللقاء، لا يمكن أن يخاف سجاناً أو جلاداً أو ديكتاتوراً.

9 – ما كانوا خونة للحقيقة

نتذكّر الحلاج وهو فوق خشبة الصلب يقول: «أنا الحق»، لم يكن هذا جنون عظمة، بل فناء تام في الحق. وحين سئل وهو على هذه الحال: ما التصوف؟ قال: هو ما أنا فيه الآن. ونتذكّر السهروردي وهو يساق إلى القتل بتهمة الزندقة، يتلألأ بالضحك، لأنه يرى الموت باباً إلى الحياة الحقيقية. ونتذكّر عبد القادر الجيلاني حين دعاه الخليفة فقال: «ما لي وللخليفة وقد ملكتُ ملكاً لا يزول؟». ونتذكّر ابن عربي وهو يقول: «ما رأيت في الكون إلا الله، ولا شيء قبله ولا بعده». فهؤلاء لم يكونوا خونة لأمتهم، بل كانوا أوفى الناس للإنسانية، لأنهم رفضوا أن يُستعبَدوا.

10 – ليس تعطيلا للتقدم

إذا كان هناك تعطيل للتقدم، فهو ليس في التصوف، بل في سوء فهمه أو سوء استغلاله. كما أن الدين نفسه لم يعطل الأمم، بل عطلته الأمم حين تركت روحه وحفظت قشوره. والتصوف هو روح الدين، فإذا فُقدت صارت الشريعة قالباً فارغاً، وإذا حضرت صارت الدنيا جنةً يمشي فيها العباد قبل أن يدخلوها. قال الإمام مالك: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، والتصوف هو الذي يعيد الأمة إلى ذلك الأول بقلوبٍ جديدة.

11 – ليس خيالا ولا وهما

التصوف ليس خيالاً ولا وهماً، بل هو أقرب الطرق إلى حقيقة الإنسان. هو الذي يجعل العالم منطقياً مرة أخرى، لأنه يعيد الإنسان إلى مركزيته الكونية: ليس كمستعبد للمادة، بل كخليفة لله في أرضه، يعمر ولا يخرب، يبني ولا يهدم، يعطي ولا يأخذ، يحب ولا يكره، يخدم ولا يتسلط. قال الرومي: «خارجاً عن دائرة الخلق، أنت لست شيئاً، وداخلها أنت كل شيء».

12 – إنه ضد عبادة الاستهلاك

في عصرنا هذا، حيث يُقاس التقدم بعدد السيارات والشاشات والأسلحة، يأتي التصوف ليقول كلمةً واحدة: «كفى». كفى عبادة للاستهلاك، كفى تدميراً للأرض باسم الرفاهية، كفى قتلاً للنفس باسم الحرية، كفى كذباً على القلب باسم الواقعية. التصوف لا يطلب منا أن نترك العمل، بل أن نعمل بقلبٍ حاضر. لا يطلب منا أن نترك العلم، بل أن نعلم أن هناك علماً لا تدركه الحواس. لا يطلب منا أن نترك الدنيا، بل أن لا نترك الدنيا تتركنا.

١٣ ـ قلب مفتوح في عالم يُغلق قلبه

التصوف هو الشجاعة الكبرى: شجاعة أن تعيش بقلبٍ مفتوح في عالمٍ يُعلّم الناس أن يغلقوا قلوبهم. شجاعة أن تحب في زمن الكراهية، شجاعة أن تعطي في زمن الأخذ، شجاعة أن تتواضع في زمن الغرور، شجاعة أن تكون إنساناً في زمن الآلات. قال الشبلي: «التصوف أن تكون مع الحق بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس». هذه هي الثورة الحقيقية، ثورة لا تحتاج إلى دبابات ولا إلى متفجرات، بل تحتاج إلى قلبٍ واحد نقي.

١٤ ـ إرادة البؤس أم إرادة التقدم؟

وفي النهاية، يبقى السؤال الكبير: هل نريد تقدماً يجعلنا أغنى وأكثر بؤساً، أم تقدماً يجعلنا أفقر إلى الدنيا وأغنى إلى الله؟ هل نريد حضارةً تبني قصوراً وتُهدم نفوساً، أم حضارةً تبني نفوساً فتبني معها قصوراً لا تُهدم؟ التصوف لا يعطينا الجواب جاهزاً، بل يعطينا قلباً يستطيع أن يسأل السؤال الحقيقي، ويرى الجواب في كل نفس يتنفسه، في كل نظرة رحمة، في كل دمعة توبة، في كل ابتسامة طفل.
فإذا أردنا أن نتقدم حقاً، فلنتقدم إلى أنفسنا أولاً. ولنعرف أن أعظم تقدم ليس في أن نصل إلى المريخ، بل في أن نصل إلى الله. وأعظم انتصار ليس في أن نهزم أعداءنا، بل في أن نهزم أنفسنا. وأعظم ثورة ليس في أن نغير العالم، بل في أن نغير قلوبنا.

15 – التصوف إكمال للعقل وتحرير له من أسره

ذلك هو التصوف: ليس خرافةً تُحارِب العقل، بل تنقيةٌ تُكمل العقل وتُحرره من أسره. ليس عائقاً أمام التقدم، بل نورٌ يضيء الطريق إلى تقدمٍ لا يُذل الإنسان وهو يرفعه. ليس انسحاباً من التاريخ، بل دخولٌ فيه من بابه الأعلى، باب القلب. ليس موتاً للعقل، بل حياةٌ للروح تجعل العقل يتنفس هواءً أنقى.

إقرأ الخبر من مصدره