البيعة.. الشرعية التي لم تسقط من التاريخ

Écrit par

dans

في زمن أصبحت فيه الشرعية السياسية تُختزل في الانتخابات والدساتير والإجراءات الشكلية، تواصل البيعة في المغرب لعب دور أعمق من مجرد طقس تقليدي يُؤدّى كل عام. إنها ليست بقايا ماضٍ، ولا فولكلورًا سياسيًا، بل بنية شرعية حيّة تتنفس داخل الدولة، وتُعيد تشكيل معناها في كل حقبة.

هذا ما تؤكده دراسة أكاديمية حديثة بعنوان: “حين تكتب البيعة سيرة الدولة: شرعيات المغرب وامتداداتها في الصحراء المغربية” للباحثين عبد الرزاق المسكي وأشرف الطريبق، حيث قدّما قراءة جديدة للبيعة تُخرجها من النظرة الاختزالية السطحية إلى فضاء التفكير السياسي العميق.

البيعة: من الطقس إلى العمق السياسي

من الخطأ أن نرى في البيعة مجرد لحظة احتفال أو إجراء بروتوكولي. فالبيعة ليست فقط تحية للسلطان، بل هي لحظة تأسيس رمزي متجددة، تعيد رسم العلاقة بين السلطة والجماعة، بين الدولة والمجتمع، بين التاريخ والحاضر.
في المغرب، البيعة ليست استثناءً تاريخيًا، بل هي قاعدة استمرارية سياسية. إنها أشبه بجسر غير مرئي يربط الدولة المعاصرة بأعمق طبقاتها التاريخية والروحية والسياسية. ولهذا، لم تستطع الحداثة الدستورية أن تتجاهلها، بل اضطرت إلى استيعابها داخل بنيتها.

إمارة المؤمنين: القلب الرمزي للدولة
تبيّن الدراسة أن إمارة المؤمنين ليست مجرد مؤسسة دينية، بل تمثل جوهر الشرعية المغربية. إنها ليست فقط سلطة دينية ولا مجرد دور تحكيمي، بل سلطة مؤسسة تعيد إنتاج الشرعية من خلال ثلاث ركائز: النص – الطقس – الذاكرة.

وهنا تتمايز التجربة المغربية عن تجارب ملكية أخرى، حيث لا تقوم الشرعية فقط على القانون، بل على عمق تاريخي وروحي يجعل السلطة متجذرة في المخيال الجماعي، لا فقط في المؤسسات.

الصحراء والبيعة: عندما يصبح التاريخ وثيقة سياسية

أحد أهم محاور الدراسة يلامس ملف الصحراء المغربية من زاوية غير شعبوية ولا خطابية، بل من زاوية أنثروبولوجية وتاريخية وقانونية.

فالصحراء – وفق الوثائق المخزنية والمعطيات التاريخية – لم ترتبط بالمركز المغربي عبر القوة أو التوسع العسكري فقط، بل عبر البيعة كآلية اعتراف سياسي. قبائل كالرقيبات وتكنة وأولاد دليم وأيت أوس لم تكن كيانات معزولة، بل كانت جزءًا من المجال السياسي المغربي عبر روابط الولاء للملوك العلويين.

والدراسة تستند إلى رأي محكمة العدل الدولية سنة 1975، التي أقرت بوجود روابط ولاء بين السلاطين المغاربة وقبائل الصحراء، ما يجعل البيعة هنا ليست فقط رمزًا دينيًا، بل وثيقة سياسية وقانونية ذات وزن دولي.

لماذا البيعة أقوى من الزمن؟

في عالم شهد سقوط أنظمة عريقة، وتفكك دول كبيرة، تظل التجربة المغربية حالة استثنائية في الاستمرارية. والسبب بسيط: لأنها لم تبنِ شرعيتها فقط على المؤسسات، بل على المعنى.

البيعة في المغرب ليست مجرد لفظ، بل هي ذاكرة سياسية متجددة، تسمح للدولة أن تعيد تعريف نفسها عند كل منعطف، دون أن تفقد جذورها.

هي ليست تعويضًا عن الديمقراطية، ولا نقيضًا لها، بل صيغة مغربية خاصة لفهم الشرعية، تتكامل فيها الرمزية بالتاريخ، والدين بالسياسة، والسيادة بالقيم الجماعية.

إقرأ الخبر من مصدره