التنمية الترابية المندمجة، أو كيف نتجنب البناء فوق أرض… لم تعد ملكنا؟

Écrit par

dans

الأحداث د. سعيد لقبي
هناك دعوات لا يمكن رفضها. من بينها تلك المتعلقة بجلسة عامة كبرى خُصّصت لـ”التنمية الترابية المندمجة من الجيل الجديد”. يعدونك فيها بالتشاور، وبالابتكار، وربما… بفنجان قهوة أيضاً. إنها دينامية وطنية مشجعة، يُفترض أن تكشف عن أفكار جديدة، وفرص واعدة، بل وربما عن بعض الكنوز المخبأة تحت سجادة أقاليمنا، التي تكون أحياناً… مغطاة بشيء من الغبار.

وطبعاً، لا يخلو أي اجتماع من بعض “المتسللين خارج اللعبة”. أي أولئك المنتخبين الذين ينتهزون الميكروفون لتذكير الجميع بـ”إنجازاتهم” الاستثنائية — تلك التي كانت استثنائية لدرجة أن الدولة ارتأت ضرورة… تغيير الجيل بأكمله من برامج التنمية، خصوصاً في ما يتعلق بالتجهيزات الأساسية. كأن الواقع، في كثير من الأحيان، أكثر تواضعاً من الخطاب.

ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بجدية المبادرة وروح هذا الورش الوطني: إطلاق دورة تشاورية خطوة حقيقية ومتقدمة. بشرط — وهو تفصيل ذو أهمية — أن تكون الاستماع فعّالاً، صادقاً، شبه تأملي، وأن تتحول الأفكار الخام إلى مشاريع واضحة، لا إلى شعارات. بعبارة أخرى: نحتاج أن نكون أكثر عقلانية من ديكارت نفسه، مع لمسة من إديسون ذلك العبقري العصامي الذي “اقترف” 1001 براءة اختراع بعد أن طُرد من المدرسة. لعل الضوء يأتي فعلاً… من القاع.

الإيقاع الملكي واضح

منذ 4 نونبر 2025، شرع المغرب في تنفيذ المرحلة الأولى من رؤية ملكية معلنة بوضوح. كان أول إشارة قد صدرت في خطاب العرش يوم 29 يوليوز 2025: مغرب متقدم، متضامن، موحّد، ومستعد للولوج — بشكل مقنع — إلى نادي الدول الصاعدة.

“دولة صاعدة”… مصطلح عمره أربعون عاماً، روّجه أنطوان فان أغمائيل. يضم اليوم نماذج متنوعة — النمور الآسيوية، البريكس، دول الـMINT — أي “التلاميذ الجديين” في القسم العالمي. أن تعرّف نفسك كدولة صاعدة يعني أن تكون قد حققت عدة شروط: نمو منتظم، مالية جذابة، صناعات مندمجة، إصلاحات قوية، ودعم للشركات الناشئة التي تحلم بأن تصبح “يونيكورن”.

المغرب حقق العديد من هذه الشروط. ولذلك يُوصف اليوم بأنه “شبه صاعد” أو “proto-emergent”، قريب — ولو من بعيد — من دول مثل البيرو وكولومبيا. لكن هناك تفصيل لا يزال يشوش الصورة: الفوارق. وقد ذكّر جلالة الملك بذلك بوضوح: لا مجال لمغرب بسرعتين.

ومن هنا جاء التوجيه الملكي: تأهيل المجالات، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحقيق عدالة في الاستفادة من النمو. والأهم: الانتقال من وصفات “التنمية الاجتماعية” القديمة إلى مطبخ “التنمية الترابية المندمجة” الحديثة.

آسفي ومجالها الخلفي: SWOT، الكَرَز، والانكشافات

لمواكبة هذه الرؤية، يجب إعداد تشخيص ترابي جدي. يمتلك الخبراء أداتين: أداة SWOT ذات الروح الأنغلوسكسونية، وطريقة CERISE REVAIT ذات اللمسة الباريسية (والشعرية).

لا يهم اختلاف اللغة، فالفكرة نفسها: تحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات.

بالنسبة لآسفي، يجب أن يعود التشخيص الجدي… إلى نهاية القرن التاسع عشر. نعم، تماماً. فكل شيء بدأ عندما اكتشف لويس جنتيل الفوسفاط على ظهر حماره — أحد أكثر الحيوانات تأثيراً في تاريخ الصناعة المغربية. النتيجة: تحديث الميناء، ازدهار الصناعة البحرية، احتفال السردين، وقبل ذلك… بآلاف السنين، ظهور إنسان إيغود؛ سلفنا جميعاً. ليس بالأمر القليل.

إذن، آسفي ومجالها الخلفي: ما هي الفرص غير المستغلة؟ وما هي الرافعات لربط المدينة بالمبادرة الملكية للأطلسي؟ وما التأثيرات المتوقعة للقانون المقبل حول الساحل؟

شيء واحد مؤكد: يجب معرفة المجال. معرفة حقيقية. بلا أحكام مسبقة، ولا بطاقات بريدية، ولا تشخيصات منسوخة ولصق. فلا أحد يريد بناء مشروع على أرض… لم تعد ملكه أصلاً.

آخر توجيه ملكي

في 10 أكتوبر 2025، خلال افتتاح الدورة البرلمانية، ذكّر جلالة الملك بجوهر الموضوع: التسريع، التحديث، وتقاسم ثمار النمو. ليس فقط بين المدن الكبرى. وليس فقط بين “المطلعين”. بل بين الجميع.

وأضاف جملة تختصر كل شيء:
“إن التحول الكبير الذي نطمح إلى تحقيقه في مستوى التنمية الترابية يقتضي تغييراً ملموساً في العقليات وطرق العمل، وثقافة حقيقية قائمة على النتائج، مع الاعتماد على معطيات دقيقة من الميدان والاستثمار الأفضل في التكنولوجيات الرقمية.”

هذا هو المسار. واضح. مباشر. بلا زخرفة.

المغرب يستعد لإعادة تأسيس طريقته في التفكير في مجالاته الترابية. شريطة أن ننتبه جيداً لمكان الخطوة الأولى. وعلى أمل — هذه المرة — أن تكون فوق أرض… لا تزال ملكاً لنا.

أسفي — جامعة القاضي عياضFPD

هيئة التحرير2 ديسمبر، 2025

إقرأ الخبر من مصدره