هبة بريس
تشهد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب تحولاً استراتيجياً عميقاً في تدبير واستثمار الأملاك الوقفية، يهدف إلى تحديث هذه المؤسسة العريقة وجعلها رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية ومواكبة للإصلاحات الهيكلية الكبرى التي تعرفها المملكة، أبرزها ميثاق الاستثمار الجديد وتكريس مبادئ الجهوية المتقدمة.
المحور الأول: مواكبة ميثاق الاستثمار الجديد والشفافية
تُعَدّ هذه الدينامية استجابة مباشرة للحاجة إلى عصرنة آليات استثمار الوقف، بما يضمن الشفافية والنجاعة الاقتصادية:
تبني معايير الشفافية في الإعلان عن المشاريع
طلبات العروض والصفقات العمومية: تحرص الوزارة على وضع إطار جديد لتدبير الأصول الوقفية يقوم على التحفيز على الإعلان عن طلبات العروض والصفقات العمومية. هذا التوجه يضمن تنافسية عادلة ومفتوحة أمام المستثمرين من القطاع الخاص.
معايير واضحة وجد شفافة: تخضع هذه الصفقات لمعايير تقييم شفافة وواضحة جداً تعتمد على الجدوى الاقتصادية، الأثر التنموي للمشروع، والخبرة التقنية للمتعهد، مما يقضي على أي شبهة للمحسوبية ويُعزز الثقة في المؤسسة التنموية.
توظيف العقارات الوقفية: يتم تسخير العقارات الوقفية (أراضٍ ومبانٍ) التي كانت في السابق تُستغل بأقل من طاقتها أو تبقى غير مستثمرة، لتصبح وعاءً لإنشاء مشاريع تنموية ومحركاً لاستثمارات ضخمة.
استهداف جميع القطاعات الاقتصادية
تجاوزت الاستراتيجية الجديدة النظرة التقليدية لاستثمار الوقف، لتشمل جميع القطاعات الاقتصادية الحيوية:
القطاعات الاقتصادية: إنجاز استثمارات جد مهمة تستهدف قطاعات ذات قيمة مضافة عالية مثل ، الصناعة، اللوجستيك، والطاقات المتجددة.
القطاع الاجتماعي: لا يتم إهمال الجانب الاجتماعي؛ حيث تظل الاستثمارات الموجهة لإنشاء المرافق الاجتماعية، كالمستشفيات الخاصة، المصحات، ودور الطالب، ومراكز التكوين، جزءاً أصيلاً من مهمة الوقف التي تحقق التكافل الاجتماعي المنشود.
المحور الثاني: تكريس الجهوية المتقدمة والتنمية المجالية
تُعَدّ هذه الدينامية تجسيداً لتعليمات جلالة الملك محمد السادس الرامية إلى تنزيل مبادئ الجهوية المتقدمة في تدبير الشأن العام.
إشراك الفاعلين الجهويين
تفعيل اللامركزية: يهدف التحديث الاستراتيجي إلى تفعيل اللامركزية في اتخاذ القرار الاستثماري، مما يعني إعطاء صلاحيات أكبر للمديريات الجهوية والإقليمية التابعة للوزارة.
التنمية الترابية المتوازنة: من خلال تحديد العقارات الوقفية وفرص الاستثمار على المستوى الجهوي والمحلي، تسعى الوزارة إلى تحقيق تنمية ترابية متوازنة تقلص الفوارق المجالية بين الجهات، وتُساهم في خلق فرص الشغل والثروة في الأقاليم البعيدة عن المراكز التقليدية.
المحور الثالث: الآليات المؤسسية والإشراف على التنفيذ
ويسهر على إنزال هذا الورش المفتوح مديريات عديدة تشكل أركان الوزارة، تعمل على مدار الساعة لتأطير نظارات الأوقاف عبر ربوع المملكة وتوجيهها لتطبيق مضامين هذه الاستراتيجية.
تعتبر مديرية الاستثمار هي الجهة المسؤولة عن تنمية وإدارة أصول الأوقاف من خلال استثماراتها بطرق مشروعة لضمان عوائدها المالية، وتحقيق أهداف الوقف. وأبرز المديريات التي تشكل أعمدة الوزارة هي:
مديرية الاستثمار: مسؤوليتها تتمحور حول تنمية أموال الأوقاف واستثمارها، وتأجير العقارات والأراضي الوقفية، وتغيير صفة استخدام العقارات، وصيانتها، وإدارة عقود الاستثمار والإيجار، بما في ذلك إدخال شركاء أو التنازل عن العقد. وتُشجع على الشراكة مع القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع استثمارية على أراضٍ وقفية، بما في ذلك مشاريع بنظام البناء والتشغيل بهدف تحقيق عائد مالي للأصول الوقفية، وفقًا للشريعة الإسلامية ومقاصد الواقفين ولا يمكن تحقيق كل هذه الاهداف إلا عن طريق الطاقم الشاب الحيوي الذي يعمل على مدار الساعة لتدبير هذه المديرية وتسييرها على أحسن وجه ممكن.
مديرية الصفقات: دورها هو الإشراف على جميع جوانب الصفقات العمومية للوزارة، بدءًا من الإعداد والتنفيذ وصولًا إلى الإشراف على لجان تقييم العروض وتقديم الدعم الإداري لضمان شفافية وكفاءة عملية الحصول على المزادات والعروض. ويشمل دورها أيضا إعداد وتنفيذ العقود، وتنظيم المناقصات، وضمان نزاهة لجان فتح وتقييم العروض.
تعمل المديريات المركزية على تأطير نظارات الأوقاف الجهوية عبر ربوع المملكة وتوجيهها لتطبيق الاستراتيجية. ومن أبرز هذه النظارات التي تشهد حركية كبيرة في وثيرة الاشتغال وجلب المستثمرين من القطاع الخاص للمشاركة في طلبات العروض: الدار البيضاء، ومراكش، وأكادير، وطنجة، وأبرزها تطوان، التي تشهد طفرة نوعية في وتيرة العمل واستقبال المستثمرين ومواكبة جميع المتعاقدين معها لإنجاز استثماراتهم وحل المشاكل العالقة بكل احترافية ومسؤولية، مما يدل على الكفاءة العالية للقائمين على هذا المرفق.
يُكمّل دور المفتشية العامة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هذه المنظومة التحديثية، عبر ممارسة الرقابة والتفتيش الداخلي على سير العمل الإداري والمالي في مختلف المصالح التابعة للوزارة. وهي مسؤولة عن تقييم الأداء وتقديم التوصيات لتحسينه، والتحقق من التزام الموظفين بالأنظمة والقوانين، ورفع التقارير للوزير، ومتابعة الشكاوى، لضمان تطبيق الأنظمة والقوانين بشكل سليم وتكريس النزاهة في الإجراءات.
إن الدينامية التي تشهدها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، عبر تحديث استراتيجية الاستثمارات الوقفية وتفعيل دور مديرياتها المركزية والجهوية، لا تمثل مجرد إصلاح إداري، بل هي نموذج للتكيف المؤسساتي مع المتطلبات التنموية الحديثة. من خلال تبني الشفافية الكاملة في التعاقد، وتوسيع قاعدة الاستثمار لتشمل جميع القطاعات، وتكريس المبادئ الجهوية، تتحول الأوقاف إلى قوة دافعة حقيقية للتنمية المستدامة والشاملة التي يطمح إليها المغرب