الأحداث بقلم محمد اعويفية
يكفي أن يخطئ اللاعب، خصوصا إذا كان اسمه عبدالرزاق حمد الله، لتنهال عليه موجة من اللوم تتجاوز حدود المنطق؛ وكأن الجماهير ووسائل التواصل وبعض أشباه الإعلاميين كانت تتربص به وتبحث له عن أي زلة لتحمله مسؤولية كل ما عجزت عنه منظومة الرياضة ككل، وليست مباراة واحدة حتى وإن خسرت تبقى حظوظ التأهل بعدها قائمة. يتحول فجأة اللاعب عبدالرزاق حمد الله، في لحظة، إلى هدف سهل، فيما يتجاهل الكثيرون أن الخطأ جزء طبيعي من اللعبة، وأن الأكثر جبنا هو أن ننسى كل الظلم الذي تعرض له هذا اللاعب مع من يسيرون الكرة في البلاد منذ أولمبياد لندن إلى الأمس القريب.
المشكلة ليست في النقد، بل في التحامل الذي ينسف تاريخ اللاعب بالكامل ويستبدله بلقطة واحدة؛ فتتحول الساحة إلى مشهد عاصف: منشورات غاضبة، تعليقات جارحة، واتهامات بالتقصير، وكأن الخطأ حدث فريد لم يسبق أن اقترفه لاعب غير عبدالرزاق، أو كأن كرة القدم لعبة مثالية خالية من الهفوات. والتاريخ يشهد أن كبار اللاعبين، وفي منافسات كبيرة، وقعوا في الأخطاء نفسها: مارادونا مثلا ضد البرازيل، وزيدان ضد إيطاليا في نهائي كأس العالم وأمثلة أخرى كثيرة.
هذا السلوك يعكس خللا واضحا في ثقافة الجمهور. فبدل أن توجه الأسئلة إلى خطط المدرب، أو أداء الفريق ككل، أو ضعف التحضير الذهني، يتم التركيز بضعف فكري واضح على لاعب بعينه يهفو. إنه نوع من التبسيط المريح: تحميل المسؤولية لفرد واحد بدل مواجهة الحقيقة المتمثلة في طريقة التحضير للمنافسة والكيفية المعتمدة في المناداة على اللاعبين،وعدم اعطاء المنافسة حقها من الأهمية اللازمة .
ينسى أن اللاعب يتحمل ضغطا كبيرا: إعلام ينفخ ويضخم كل شيء وكل حركة، ومركب نفسي قد لا يكون في أحسن حالاته، وصراع داخلي لإثبات الذات بعد نكسة قطر الأخيرة. ومع ذلك، يطالب عبدالرزاق بأن يكون ثابتا، محصنا، بلا خوف ولا ارتباك… ولا خطأ.
التحامل الذي يعيشه حمد الله اليوم لن يساهم في شيء سوى تدمير أي لاعب آخر غيره، وجعله مرتعبا يخشى المبادرة حتى لا يحاكم على أول خطأ يرتكبه. كرة القدم لا تبنى بهذه العقلية، ولا تتطور في بيئة تهدم فيها الثقة بسرعة أكبر من خطأ أفضى ارتكابه إلى الحصول على بطاقة حمراء.
اللاعب الذي يجلد اليوم هو نفسه “الجلاد” الذي كان يصنع الفرحة بالأمس. من يريد كرة قدم أفضل بلا أخطاء ، فليبدأ بتطوير ثقافة نقد ناضجة، لا ثقافة غوغائية رخوة تبحث عن ضحية جاهزة تعلق عليها فشلها و تدينها إلى الأبد.
هيئة التحرير6 ديسمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره