
حميد زيد – كود//
كل ما عاشه نيلسون ما نديلا في سجن الأبرتهايد.
كل السنوات التي قضاها أبراهام السوفياتي في سجون المملكة المغربية.
كل ما حكاه أحمد المرزوقي عن المعتقل السري تازمامارت.
كل جحيم معسكرات الغولاغ.
كل ما رواه الناجون من صيدنايا في سوريا.
كل هذا المسلخ البشري.
كل هذا هو لا شيء أمام تجربة الرئيس الفرنسي الأسبق.
وبعد أن قضى أياما معدودة في السجن. لا تتجاوز الأسابيع الثلاثة. خرج نيكولا ساركوزي بكتاب يوميات سجين.
يحكي فيه عن عذاب في “زنزانة” يتمنى أي إنسان حر في العالم أن يوضع فيها.
ولا يخرج منها. إلا مكرها.
حيث كان كل شيء رماديا في السجن.
يقول ساركوزي.
ولا لون آخر. ولا أسود. ولا أبيض. فقط الرمادي.
وقد كان النظام القمعي الفرنسي ينتقم من الرئيس المسجون بمنحه ألواح الشوفان.
و بعض الحلويات.
و عصير التفاح. ومياها معدنية.
والهدف من الريجيم الغذائي. طبعا. هو تجويعه. مع الحفاظ على رشاقته.
في وحشية فرنسية. تبدو كل جرائم الخمير الحمر. مقارنة معها. بمثابة تصرفات لطيفة من الملائكة.
وقد كان الرئيس الفرنسي الأسبق. خلال تلك الأيام القليلة التي قضاها في السجن. يحلم أن يرى السيارات وهي تمر.
ويحلم أن يطل من النافذة.
ورغم أن أحلامه بسيطة فإن الاستبداد الفرنسي منعه منها. مغلقا عليه كل النوافذ.
ولا كوة صغيرة.
ولا منفذ تتسلل منه أشعة الشمس.
لكن حب كارلا بروني له
ووجهها
وصوتها
و قيثارتها
ونظرتها
كانت هي شمسه. وهي قمره. وهي النجم الذي كان ينير ظلمة ليله.
و عزلته.
وكانت هي الموسيقى التي يسمعها.
وربما كتب ساركوزي يومياته كسجين قبل أن يدخل السجن.
وقبل أن يتعود عليه.
وقبل أن يحس بالمعاناة.
لأن الوقت الذي قضاه فيه لا يكفي.
والأيام القليلة التي أمضاها لا تسمح بأن توصف بالتجربة.
وقد كانت معاناته استباقية
كان ألمه ألما لضرورة النشر. ولحفلات التوقيع.
وحتى السجن لم يسلم من ساركوزي.
وحتى هذه التجربة القصيرة أراد أن يربح ويستفيد منها ويستغلها لصالحه.
ولذلك عندما سئل الروائي بوعلام صنصال عن تجربته في السجن الجزائري. وهل استطاع أن يمارس مهنته داخل أسواره. وهي الكتابة. أجاب:”أنا لست ساركوزي”.
لأن شروط الكتابة بالنسبة إليه غير متوفرة في السجن.
لكن نيكولا ساركوزي و بعبقريته الفذة.
فإنه صنع فاست فود أدب السجون.
وبلا تعذيب.
ولا اختفاء قسري.
ولا فترة اعتقال طويلة.
بل فقط بضعة أيام معدودة على رؤوس الأصابع.
مثل استراحة في فندق.
تسهر فيها دولة بكاملها على توفير كل شروط الراحة لك.
ومثل وجبة سريعة أنجز ساركوزي ملحمته الخاصة.
متفوقا على كل من سبقوه فيه هذا النوع من الكتابة.
و على “أرخبيل الغولاغ” للكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين.
وعلى “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف.
وخلف أسوار سجن تتمنى أن تسكن فيه. وتعيش. وتستقر إلى الأبد. وتنجب ذرية صالحة.
ولا تغادره إلا بتدخل من السلطات العمومية.
وفي سجن تغار فيه من المعتقل.
وتتمنى أن تكون مكانه.
استطاع ساركوزي أن ينقل إلى القارىء معاناته.
و ألمه.
و صعوبة أن يفقد الإنسان حريته.
ولا شيء
إلا قلم حبر جاف
وطاولة خشبية صغيرة
يكتب عليها كل يوم تجربته في السجن الفرنسي
فاضحا الغرب وشعاراته
وخطابه الحقوقي
والذي
وهو يقدم النصائح للعالم
و يطالب الآخرين باحترام حقوق الإنسان
فإنه لا يتورع عن تجويع من كان في فترة من الفترات رئيسا لفرنسا
حارما إياه من أبسط حقوقه
مكتفيا بمنحه الشوفان وعصير التفاح
كي لا يشبع
وكي لا يموت
وكي يظل يتعذب
وكي تظل مصارين بطنه تقرقر إلى الأبد.
لكن ومن رحم المعاناة
وفي غفلة من الجلاد
ومن العسس
استطاع ساركوزي أن يهرب يومياته
كي يطلع عليها كل أحرار العالم.