في معنى أن تكون أتراكسيا؟

Écrit par

dans

الكاتب – د. مصطفى تاج

يشهد المغرب، على غرار باقي دول العالم، تحولات اجتماعية واقتصادية وقيمية وثقافية متسارعة، أنتجت ظواهر مركبة، تجد انعكاساتها الإيجابية في مسارات الانتصارات الدبلوماسية والرياضية، والتقدم المادي والتنمية على مستويات البنيات التحتية والأوراش الاقتصادية والاجتماعية المفتوحة. فيما تجد صورها السلبية في استشراء نزعات الفردانية والأنانية والبرغماتية والتقوقع على الذات، إضافة إلى تضخم الاستهلاك ومظاهر الاستعراض الرقمي، وارتفاع معدلات العنف والقلق الوجودي والعتاب وما ينتج عنها من تفاقم أعراض الاكتئاب والاضطراب والاغتراب والخوف والهوس والانعزال وبقية الأمراض النفسية.

في ظل هذا الواقع الموسوم بالضجيج والتلف، تبرز الحاجة إلى فلسفات وإرادات وسياسات حديثة تنتصر للإنسان وللقيم الإنسانية، إذ أن الانتصار للعمران وللمكان لا يجب أن يكون بمعزل عن الانتصار للقيم وللثقافة وللروح الإنسانية… حتى تكون للتنمية الشاملة بوصلة واضحة تقودها إلى بر الأمان وحتى يكون لمجموع السياسات معنى ينتصر للإنسان ولعقله ولروحه ويحقق له السلام الداخلي المطلوب.

من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للذات الإنسانية، بإخراجها من حالة الفوضى إلى حالة السكينة والطمأنينة والهدوء العقلي والنفسي والروحي. وهذا ما لا يتأتى إلا بالتركيز والصمت والتأمل والإنصات إلى الداخل، لا للهروب من الخارج، بل للعودة إليه بوعي وهدوء. فالسكينة ليست بالضرورة عزلة عن العالم، بقدر ما هي شكل راق من الحضور فيه دون أن تبتلع، ودون أن تغرق في اللا معنى.

ولعل هذا ما يجعلنا نعود إلى الذات الإنسانية زمن التركيز عليها، بعيدا عن الانشغالات المادية والخارجية الأخرى، زمن التفكير الإنساني العميق، زمن الفلسفة الذي انتصر للإنسان في أبهى تجلياته، حيث أبدع أبيقور والرواقيون في بناء مفهوم الأتراكسيا، باعتبارها حالة سكينة داخلية وفصل عن الاضطراب. فما معنى أن تكون أتراكسيا في زمن اليوم؟
يعود مفهوم الأتراكسيا إلى الفلسفة الهلنستية، خاصة عند الرواقيين والأبيقوريين والشكاكين، باعتبارها حالة عقلية خالية من الاضطراب والانفعال، تحقق السلام والتوازن الداخليين عبر الانضباط العقلي والتقشف الوجداني وتحرير الذات من الأوهام والرغبات المفرطة والمخاوف الوهمية. إنها سكينة تنبع من عقل متحرر ومتزن ورصين.

على هذا الأساس، ولكي تكون أتراكسيا، يعني أن تسكن نفسك دون أن تسجنها، وأن تختار التوازن على الانفعال، والسكينة على الصخب، والبساطة على التعقيد. أن تعرف ما ينبغي أن يقلقك وما ينبغي أن تعرض عنه، وأن تفهم حدودك البشرية، وتتقبل ما لا تستطيع تغييره، وتشتغل فقط على ما يدخل ضمن حقل إرادتك. فالأتراكسيا هنا تطرح ذاتها ليس كحالة انسحابية سلبية، بل كخيار وجودي وفلسفي لمواجهة التفاهة، والضجيج، والانهيار القيمي.

أن تكون أتراكسيا، هو أن تعيش الحياة دون أن تتعلق بها تعلقا مرضيا، وأن تنخرط في العالم، دون أن تفقد نفسك فيه، وأن تتذوق اللذة البسيطة، وتمرر الألم بوعي، وتكف عن ملاحقة السراب. وأن تعتزل لا لأنك ترفض العالم، بل لأنك تريد أن تراه بصفاء ونقاء، وأن تمارس الحضور بكثافة داخلية، لا بالضجيج الخارجي.

فالأتراكسيا ليست بلادة، ولا لامبالاة، بقدر ما هي فلسفة في اختيار ما يستحق التفاعل، وما يستحق الصمت، في زمن يستنزف الإنسان في كل الاتجاهات.

أن تكون أتراكسيا، يعني أن تختار التأمل بدل رد الفعل التلقائي، وأن تبني مواقفك بعيدا عن التهييج الإعلامي والاعتبارات اللحظية. وتبحث عن المعنى بدل اللهاث وراء البوز والترند، وتشتغل على الذات لا كترف نرجسي، بل كمقاومة ضد التفاهة. فالأَتراكسيا تنبثق كحالة لا هروب فيها من العالم، بل عودة هادئة للذات، تسمح بإعادة التفكير في شروط العيش، والتفاعل، والنضال.

وفي عالم يتحول بسرعة، ولكن دون بوصلة واضحة أو خط ناظم، أن تكون أتراكسيا هو أن تقول: “سأقف لحظة، لأفهم، لأختار، لأعيش ببطء وسط عالم يسرِع نحو المجهول”. ذلك أن الأتراكسيا سكينة مشروطة بوعي نقدي، ودعوة لنهضة صامتة، لكنها عميقة. دعوة إلى ما بعد السياسة التافهة، ودعوة إلى تأسيس وعي نقدي جديد، يقيم مسافة بين الفرد والنظام، بين المواطن والآلة الإعلامية. وهي كذلك شرط لتحرير الشباب من الاستلاب اللحظي وإعادة توجيه طاقاتهم بما يتماشى مع طموحاتهم وقدراتهم في آن.

إن استحضارنا للأتراكسيا في هذا المقال ليس من باب الحنين أو مجرد الإطلالة على التراث الفلسفي القديم وحسب، بقدر ما هو استيحاء للمواقف الحية للفلاسفة العظماء، أبيقور والرواقيون والشكاكون وغيرهم، التي تدعونا للسكينة دون انسحاب، وللتوازن دون استسلام، وللعمق وسط السطحية المهيمنة.

فالأتراكسيا مدرسة وجودية تسكن داخلنا، سواء علمنا بها أو لم نعلم. تتجلى لنا متى اخترنا أن نبطئ، أن نصغي، وأن نعيش بحكمة. إنها ليست فقط حالة نفسية، بل هي مسار أخلاقي وفكري لتدبير الوجود، إنها تكاد تكون بمثابة استراتيجية شخصية للتماسك النفسي. وما أحوج إنسان اليوم للحفاظ على تماسكه النفسي في الأول وفي الأخير.

ومن هذا الباب، فإن الأتراكسيا لم تعد مجرد فضيلة فلسفية قديمة، بل أصبحت ضرورة وجودية في عصر يفرط في الضجيج ويفرغ المعنى. وعلى هذا الأساس، ماذا لو بعثنا فينا روح الأتراكسيا، وانبعث منا أتراكسيون جدد يعلنون من خلال سلوكاتهم وخياراتهم، أن السكينة ليست ضعفا، بل مقاومة ناعمة بأدوات ذكية وفلسفية، ويشكلون جيلا فلسفيا واجتماعيا جديدا يتبنى موقف السكينة والانسحاب الجزئي من صخب الحياة. ويساهم في إعادة صياغة الأتراكسيا كخيار معاصر للعيش المتزن. أتراكسيون جدد لا ينسحبون من العالم، بل يعيدون التموقع داخله بوعي جديد، ويشكلون مقاومة هادئة ضد ثقافة التشتت وموجات التسليع، والنجومية الزائفة.

إن الأمر ليس بالهين وليس بالصعب، إنه حاجة ملحة للانسحاب الهادئ من ضوضاء العالم، واستعادة السيادة على الحواس والنفس، والانفلات من الضغوط المجتمعية المتراكمة، وعيش الحياة الهادئة، التي تقبل الذات وتطورها وتتجنب التنافسية المفرطة والاستهلاك القهري، وترفض كل مظاهر النمطية والتبعية والعبثية والعدمية، وتفضل العمق على القشور، وتنتصر للتأمل ولليقظة الذهنية والروحية، أتراكسيا تتحكم في الانفعالات وتترك ما لا يتحكم فيه منها، تحد من التوتر، تبحث عن اللذة البسيطة الطبيعية، تقاوم الضغوطات الاجتماعية وتتبنى الحد الأدنى المادي لتحقيق الحد الأقصى الوجودي. وتدعو لإعادة الاعتبار لفلسفة الحياة الهادئة، القائمة على الوعي والتبصر، والتحكم في الذات، بعيدا عن ضجيج لا ينتج سوى القلق والبؤس.

ولعل المنطلق سيكون في الاستثمار في تعليم فلسفي منفتح، يزرع في الفرد مهارات التفكير النقدي وضبط الانفعالات، وفي تحويل مؤسسات التشنئة الاجتماعية من بيوت ومدارس ودور الشباب ومكتبات وجامعات وأماكن عامة إلى فضاءات للطمأنينة والسكينة. بالإضافة إلى تقنين الحضور الرقمي للحد من القلق الرقمي والتفاعلات السلبية وفرط المقارنات. مع ضرورة إحياء فنون التأمل من مطالعة وألعاب ذهنية وعائلية ورياضة… كممارسات تعيد الصلة بين الذات والعالم.

ولعمري أن الإمكانية متاحة لإنتاج أجيال جديدة من الأتراكسيين، متصالحين مع ذواتهم، خالين من العقد، ومنتجين وفاعلين وقادرين ومبدعين، لو أعدنا بتركيز طرح الأسئلة الوجودية السرمدية: من نحن؟ ومن نكون؟ ولماذا نحن هنا؟ هل نعيش لننتج؟ أم لنفهم ونحس ونكون؟.

إقرأ الخبر من مصدره