الأحداث نت : مراسلة، م.ع.الإدريسي
في عمق العالم القروي، حيث الأرض لا تمنح ثمارها إلا لمن تعب لأجلها، وحيث النساء ينسجن الحياة من تفاصيل الصبر، وُلدت حليمة انفينيف اللوزي، فكانت إبنة التراب والمقاومة، تفتح عينيها على واقع صامت، فاختارت أن يكون صوتها بديلاً عن الصمت، وأن تكتب نفسها في دفاتر الوطن امرأةً تُجيد الإصغاء للناس، كما تُجيد البوح نيابة عنهم.لم تكن رحلتها سهلة، ولم تُمد لها الطرق مفروشة بالورد، لكنها بفطرتها النقية وإصرارها الهادئ، صعدت سلّم التميّز درجةً درجة. شاعرة بقلب أنثى وذاكرة وطن، فاعلة جمعوية تنحت بصمتها في صخر الإهمال، وصحفية ترى في الكلمة مسؤولية لا مجرّد حبر.
كتبت الشعر كمن يسقي جرحًا بالحنان، فجاءت قصائدها ممتلئة بأمومتها، بحنينها، وبهمّ النساء اللواتي يشبهنها. لم تتصنع اللغة، بل قالت ما أرادت بصدق، فلامس وجدان من قرأها، لأن صوتها خرج من مكان عميق في القلب.
وفي العمل الجمعوي، لم تجرِ خلف الأضواء، بل اختارت أن تكون في قلب الظل، حيث المعاناة الحقيقية، حيث نساء القرية، وحرمان الأطفال، وقلق الأمهات. أسست جمعية النهضة لتنمية المرأة القروية، وأعطتها من روحها قبل وقتها، فكانت صوتًا لمن لا صوت لهن، ورسالة نضجت مع كل مراسلة كانت تكتبها وهي تؤمن أن “الفعل الهادئ قد يغيّر أكثر من الصراخ العابر”.
لم يكن في قريتها دعم، ولا موارد، ولا فُرص، ومع ذلك اختارت ألا تجعل من هذا عذرًا للجمود. فكتبت، وراسلت، وتابعت، وطرقت أبوابًا كثيرة… بعضها فُتح، وبعضها ما زال يُنتظر. لكنها، في كل مرة، كانت تزداد قناعة بأن الفعل الجمعوي ليس احتفالاً عابراً، بل نَفَس طويل يحتاج إلى إيمان.
أما في الصحافة، فقد مارستها كمن يحمل شمعة في العتمة. لم تبحث عن سبق صحفي، بل عن صدق الحكاية. كانت تكتب لتُذكّر، لتُعبّر، ولتحوّل الحرف إلى أداة ضغط ناعم في وجه الإقصاء.
حليمة انفينيف اللوزي هي خلاصة امرأة لم تُغيّرها الظروف، بل طوّعتها. امرأة تمشي الهوينى، لكن خطاها تصل حيث لا يصل غيرها. تؤمن أن التمكين ليس شعارًا، بل مسار. وأن الفعل الحقيقي يبدأ حين نقرر أن نتحمّل مسؤولية ما نؤمن به، مهما كانت العوائق.
في كل حضور لها، في كل مداخلة أو لقاء أو دورة تكوينية، كانت تشبه نفسها… بسيطة، عميقة، وصادقة. كانت تقول ما يجب أن يُقال، لا ما يُنتظر منها. ومن هنا، صارت صوتًا يُحسب له ألف حساب.
حليمة انفينيف اللوزي ليست فقط امرأة من العالم القروي… إنها برهان على أن النساء حين يُمنحن القليل من الثقة، يصنعن الكثير من الفرق.
هيئة التحرير10 ديسمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره