كوثر النهى
كشف التحول الرقمي في السنوات الأخيرة عن إعادة تشكيل بنية القانون الإداري وتوجيهه نحو نموذج جديد من تدبير الشأن العام. فالإدارة العمومية لم تعد تشتغل بمنطق الإجراءات الورقية، بل أصبحت تعتد على أنظمة معلوماتية ومنصات رقمية . إن هذا التحول لم يقتصر على تحديث آليات العمل فقط، بل أعاد صياغة التوجهات النظرية التي يقوم عليها القانون الإداري ومن هذا المنطلق فإن إعادة تشكل القانون الإداري في ظل التحول الرقمي ساهمت في ظهور مفهوم “المرفق العام الرقمي”، هذه البنية التنظيمية والتقنية الحديثة تراهن على السرعة، الولوجية، والشفافية في تقديم الخدمة العمومية.
ونتيجة لهذا التحول أعيد النظر كذلك في طبيعة القرار الإداري، الذي أصبح يصدر في صيغة رقمية قابلة للتوليد الآلي والتبادل الإلكتروني، وكذا في طبيعة العقد الإداري الذي صار يبرم عبر مساطر إلكترونية تستند إلى التوقيع الرقمي والمنصات الإلكترونية المصممة لتقديم النشاط إداري.
هذه التطورات مجتمعة، ألزمت القانون الإداري بتطوير أدواته التقليدية، سواء على مستوى نظرية القرار والعقد أو على مستوى مفاهيم الشرعية والمشروعية حتى تصبح متماشية مع منطق الرقمنة، مام جعل القانون الإداري يعيش مرحلة “إعادة التشكل” التي تجمع بين الحفاظ على مقاصده الأساسية—المصلحة العامة والسلطة العامة—وتجديد وسائله بما يتلاءم مع بيئة تقنية متغيرة.
ومن زاوية أخرى يجب الإشارة إلى أن هذا التحول بالرغم من الإيجابيات التي أظهرها على مستوى جودة التدبير إلى أن تطبيقه ساهم في بروز منازعات جديدة ترتبط بعطب الأنظمة، انقطاع الخدمات، الأخطاء التقنية، صعوبات الولوج، إضافة إلى إشكالات إثبات المشروعية عبر الوسائل إلكترونية التي لا تزال تفتقر إلى نظام دقيق يراعي سألة كونية الحقوق الرقمية. فقد صارت المنازعة الإدارية لا تتعلق فقط بعيوب القرار والعقد، بل تتعلق أيضا بمشروعية الخدمة الرقمية وبإخفاقات المنصات الرقمية، فشل الأنظمة الرقمية ، أو انتهاك الحقوق الرقمية المرتبطة بالمعطيات الشخصية والولوج إلى المرفق.
في السياق المغربي، ورغم المبادرات المتعددة للرقمنة، لا تزال التجربة تعاني من هشاشة البنية التحتية، غياب توحيد الإطار القانوني والتقني، محدودية الثقافة الرقمية لدى المواطنين، وضعف التأطير التشريعي لمسؤولية الإدارة عن الخطأ الرقمي. كما أن الاجتهاد القضائي لم يطور بعد أدواته للتعامل مع المنازعات القائمة على آثار الرقمنة، مما يجعل الرقابة القضائية على العمل الإداري الرقمي مجال مفتوحا للتطوير.
كما أن الانتقال نحو إدارة رقمية ناجعة يقتضي من المشرع والقاضي والإدارة فهم طبيعة المخاطر التقنية وإدماجها ضمن نظرية المسؤولية الإدارية، وإعادة تقييم مقاربة الشرعية بما ينسجم مع التحديات التي تفرضها الرقمنة وحقوق المرتفق الرقمية. فالمنازعات الإدارية الرقمية ليست مجرد امتداد للمنازعات التقليدية، بل هي مؤشر على تحول بنيوي في المرفق العام نفسه وعلى ضرورة استحداث منظومة قانونية قضائية قادرة على ضمان العدالة الرقمية.
وفي الختام، يتضح أن الرقمنة ليست تحولا على مستوى شكل تقديم الخدمة في إطار مرفق عام رقمي بل هي لحظة مفصلية لإعادة بناء القانون الإداري وتجديد قنوات الرقابة وحماية الحقوق، بما يجعل من المنازعات الإدارية الرقمية أداة لإعادة ضبط العلاقة بين الفرد والإدارة في ظل الدولة الرقمية الحديثة وتنشير إلى أن التحول العميق هذا، يثير تساؤلات جوهرية وجب الانتباه لها تتعلق، من جهة، بالأساس النظري لمفهوم المنازعات الإدارية الرقمية وطبيعتها القانونية، ومن جهة أخرى بقدرة القضاء الإداري التقليدي على استيعاب تعقيداتها التقنية ومواكبة إيقاعها السريع. كما يطرح فكرة مدى استعداد المؤسسات المعنية تشريعيا، تنظيميا وقضائيا لوضع وضع تصور مؤسس لهذا الجيل الجديد من المنازعات، بما يضمن تحقيق عدالة إدارية رقمية فعالة.