« جيل زد » وسلاسل الإمداد

Écrit par

dans


يونس بومعاز
المقدمة

يشكّل جيل زد اليوم قلب المشهد الديموغرافي والرقمي في المغرب والعالم. إنهم أبناء الهواتف الذكية، ومنصّات التواصل، والاقتصاد الرقمي، غير أنّ إدراكهم للأنظمة العميقة التي تحكم حركة البضائع، وأسعار المنتجات، وفرص الشغل، يظل في الغالب محدودا. فالكثير من الشباب يتعامل يوميا مع منصّات التجارة الإلكترونية، ويستهلك خدمات توصيل سريعة، ويحتجّ على غلاء الأسعار، دون وعي كافٍ بسلاسل الإمداد العالمية والحوكمة الاقتصادية التي تقف خلف كل ذلك.

تزامن هذا الوضع مع تحوّل المغرب إلى منصة لوجستية صاعدة في حوض المتوسط وإفريقيا، بفضل موانئ مثل طنجة المتوسط والدار البيضاء، وارتفاع حجم الاستثمارات في البنيات التحتية والتجارة الدولية، إلى جانب استمرار نسب مرتفعة من البطالة في صفوف الشباب التي تجاوزت 35 في المائة خلال السنتين الأخيرتين. هذه المفارقة بين صعود الدور اللوجستي للمغرب، من جهة، وحدّة الهشاشة الاجتماعية والاحتجاجات التي تقودها فئات من جيل زد، من جهة أخرى، تجعل من “ثقافة سلاسل الإمداد” قضية مجتمعية واستراتيجية في آن واحد.

هذا المقال يسعى إلى ربط جيل زد المغربي بعالم اللوجستيك وسلاسل الإمداد، من خلال ثلاثة محاور: تشخيص فجوة الوعي، ثم إبراز المغرب كمختبر حي لسلاسل الإمداد العالمية، وأخيرا اقتراح مسارات عملية لبناء ثقافة لوجستية جديدة لدى الشباب المغاربة.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} 1. جيل زد بين وفرة المعلومات وضيق الفهم 1.1 هيمنة رقمية دون وعي بالأنظمة العميقة

تؤكّد الوثائق المرجعية المرفقة أنّ كثيرا من شباب جيل زد يتوفرون على وصول غير مسبوق إلى المعلومة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة الوعي ولا الفهم المنهجي. فهم يسيطرون على ثقافة المنصّات الرقمية وروح المقاولة الناشئة، غير أنّ جزءا كبيرا منهم يجهل البنيات التاريخية والاقتصادية والجيوسياسية التي تشكّل سلاسل الإمداد العالمية، وتحدّد مسار السلع من المصانع إلى الرفوف والمتاجر، ومن الموانئ إلى منازل المستهلكين.

أحد النصوص التحليلية يصف هذه المفارقة بوضوح: جيل زد يمتلك “تفوقا تقنيا” بحكم نشأته الرقمية، لكنّه معرّض لأن يصبح “فاعلًا مؤثرا غير مُطّلع” إذا لم يُدعَّم هذا التفوق بوعي بالحوكمة الاقتصادية والأنظمة المعقّدة التي تحكم التجارة الدولية، والسياسات الجمركية، والخيارات اللوجستية.

دراسات دولية حديثة في مجال تدبير المواهب تشير بدورها إلى أنّ ما يقارب نصف الشباب العاملين من جيل زد لا يعرفون تنوّع الفرص المتاحة داخل قطاع اللوجستيك وسلاسل الإمداد، رغم ارتفاع الطلب العالمي على هذه الكفاءات. هذا المعطى لا يهم أوروبا أو أمريكا الشمالية فحسب، بل ينسحب كذلك على المنطقة المغاربية حيث لا تزال “مهن اللوجستيك” غير واضحة في تمثّلات أغلب الطلبة.

1.2 من الوصول إلى المعلومة إلى بناء الوعي

عندما يكتشف شاب من جيل زد أن نوعا معينا من الهواتف الذكية قد نفد من السوق، غالبا ما يتصور أنّ المشكلة مرتبطة بمحلّ البيع أو بقرار تجاري بسيط، في حين أنّ الأمر قد يكون نتيجة أزمة عالمية في أشباه الموصّلات، أو إغلاق ميناء استراتيجي بسبب كارثة طبيعية، أو تعطل خطوط إنتاج في آسيا، أو اختناق في سلاسل النقل البحري.

هذا المثال البسيط يختصر جوهر العلاقة بين “الحدث اليومي” و“النظام العالمي”. نقص منتج استهلاكي في متجر بالدار البيضاء أو طنجة يعبّر في الغالب عن خلل في حلقة ما من حلقات سلسلة إمداد عابرة للقارات. ومن هنا تتولّد الحاجة إلى “محاربة الأمية اللوجستية” لدى جيل زد، عبر ربط تجربته الرقمية اليومية بتحوّلات سلاسل الإمداد العالمية، من الأزمات الصحية (كوفيد-19) إلى الحروب التجارية (الرسوم الأمريكية – الصينية)، مرورا بالحرب في أوكرانيا والأحداث الجارية في غزة، وما يصاحبها من تعطّل في ممرات بحرية وارتفاع تكاليف النقل والأسعار.

2. المغرب كمختبر حي لسلاسل الإمداد العالمية 2.1 طنجة المتوسط والدار البيضاء: بوابتان لجيل زد نحو فهم العولمة

لا يمكن الحديث عن سلاسل الإمداد العالمية دون التوقف عند التحوّل الذي عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة على مستوى البنيات التحتية المينائية واللوجستية. ميناء طنجة المتوسط أصبح ضمن الموانئ الخمسة الأكثر كفاءة في العالم في مؤشر أداء الموانئ للحاويات لسنة 2025، كما كرّس موقعه كأكبر منصة حاويات في المتوسط وإفريقيا، تربط بين أكثر من 180 ميناء في العالم وتؤمّن جسرا حيويا بين أوروبا وإفريقيا والأمريكتين.

أما ميناء الدار البيضاء، ورغم المنافسة المتزايدة، فلا يزال فاعلا محوريا في التجارة الخارجية المغربية، خاصة بالنسبة للصادرات الصناعية والفلاحية، ويشهد برامج متواصلة لتطوير الربط اللوجستي الرقمي وتحسين الخدمات المقدّمة للمصدرين والمستوردين. هنا يجد جيل زد المغربي أمامه “مختبرات حية” لفهم كيف تعمل سلاسل الإمداد عبر الموانئ، وكيف تؤثر قرارات التخطيط، وتدبير السعة، والاستثمارات في البنيات التحتية على حياة الناس وأسعار المنتجات داخل الأسواق المحلية.

تقارير البنك الدولي حول مؤشر أداء اللوجستيك تضع المغرب ضمن الدول الصاعدة التي حققت تحسنا تدريجيا في جودة البنيات التحتية، وتتبع الشحنات، وكفاءة الجمارك والخدمات اللوجستية، مع استمرار الحاجة إلى تسريع التحول الرقمي ورفع كفاءة الموارد البشرية. هذه المؤشرات لا تعني فقط ترتيباً في جدول دولي، بل تترجم في الميدان إلى فرص عمل جديدة في النقل، والتخزين، والخدمات المينائية، وسلاسل الإمداد الصناعية والزراعية.

2.2 جيل زد المغربي بين الاحتجاج والبحث عن أفق مهني

في مقابل هذا الصعود اللوجستي، تعرف الساحة المغربية موجة متصاعدة من الاحتجاجات التي تقودها فئات من جيل زد، تعبيرا عن القلق من البطالة، وغلاء المعيشة، وتفاوت الفرص بين الجهات، وما يعتبره الشباب اختلالا في ترتيب أولويات الاستثمار العمومي. نسبة البطالة في صفوف الفئة العمرية 15-24 عاما تجاوزت 35 في المائة في السنوات الأخيرة، مع ارتفاع خاص لدى حاملي الشهادات العليا، ما يفاقم شعور الانسداد ويغذي الرغبة في الهجرة.

هذا التوتر بين تطور البنيات اللوجستية وضيق آفاق التشغيل يفتح سؤالا جوهريا: لماذا لا يتحوّل القطاع اللوجستي وسلاسل الإمداد إلى رافعة رئيسية لامتصاص جزء مهم من بطالة الشباب؟ جزء من الجواب يكمن في غياب الوعي بالفرص المتاحة: كثير من الطلبة لا يعرفون الفارق بين “الخدمات المينائية”، و“إدارة سلسلة الإمداد”، و“التجارة الدولية”، ولا يدركون حجم القيمة المضافة التي يضيفها المغرب إلى السلاسل العالمية عبر منصاته الصناعية والتصديرية.

هنا تتقاطع مسؤولية المدرسة والجامعة ومراكز التكوين المهني ووسائل الإعلام، مع مسؤولية الفاعلين الاقتصاديين (موانئ، شركات لوجستية، مناطق حرة، مقاولات صناعية)، في بناء جسور تواصل مع جيل زد، وشرح طبيعة المهن الجديدة: من محلّل بيانات سلسلة الإمداد، إلى مخطّط النقل متعدد الوسائط، إلى مهندس الاستدامة اللوجستية، وغيرها من الوظائف التي تتطلب كفاءات رقمية وتحليلية تتوفر فعلا لدى جزء مهم من الشباب المغربي.

3. من التوعية إلى الفعل: مسارات لبناء ثقافة لوجستية لدى جيل زد المغربي 3.1 تجديد بيداغوجيا سلاسل الإمداد في المدرسة والجامعة

إنّ مسؤولية سدّ فجوة الوعي تقع بالدرجة الأولى على عاتق التربويين والمهنيين: فلا يكفي افتراض أن الشباب “غير مهتم”، بل ينبغي جعل المعرفة بالأنظمة الاقتصادية واللوجستية في متناوله بلغة قريبة منه، وبأدوات رقمية تساير نمط عيشه.

الأبحاث التربوية الحديثة تؤكد أن جيل زد يتجاوب بقوة مع المقاربات التفاعلية التي توظّف الوسائط الرقمية، والزيارات الافتراضية للمصانع والمستودعات، والمحاكاة الرقمية لموانئ وسلاسل إمداد عالمية. تقنيات الواقع المعزّز والواقع الافتراضي، مثلا، تتيح للطالب أن “يتجول” داخل مركز لوجستي أو خط إنتاج دون مغادرة قاعة الدرس، وأن يفهم أثر كل قرار على باقي حلقات السلسلة.

بناء على ذلك، يمكن للمؤسسات التعليمية المغربية، من المدارس الثانوية إلى الجامعات والمدارس العليا للتجارة والهندسة، أن تعتمد مجموعة من المسارات العملية، من بينها إدماج وحدات مبسّطة حول تاريخ التجارة الدولية، ومراحل العولمة، والأزمات التي هزّت سلاسل الإمداد خلال العقدين الأخيرين، مستندة في ذلك إلى المواد البصرية الغنية التي توثّق تطور التجارة من حضارات قديمة كبلاد الرافدين والفينيقيين إلى ثورات صناعية متعاقبة، ثم إلى مرحلة العولمة المفرطة وما صاحبها من أزمات مالية وصحية وسياسية.

يمكن أيضا تحويل الوثائق المرئية إلى أدوات تربوية، عبر عرض المخططات الزمنية التي تجمع بين الربيع العربي، وبريكست، وكوفيد-19، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والأزمات المناخية، لشرح كيف تتراكم الصدمات على سلاسل الإمداد، وكيف تستجيب الشركات والدول عبر الرقمنة، وتنويع مصادر التوريد، والسياسات الحمائية أو الليبرالية.

3.2 نحو أجندة مغربية لتمكين جيل زد من سلاسل الإمداد

تفعيل ثقافة لوجستية جديدة لدى جيل زد المغربي لا يمر فقط عبر المناهج الدراسية، بل يحتاج إلى رؤية وطنية مندمجة، تجعل من اللوجستيك وسلاسل الإمداد جزءا من المشروع التنموي للبلاد، ومن أفق مهني واقتصادي للشباب.

أولا، يمكن إطلاق برامج توجيه مهني تستهدف تلاميذ الثانوي والطلبة الجامعيين، تعرفهم بمهن اللوجستيك والتجارة الدولية، عبر شراكات بين وزارة التربية الوطنية، ووزارة التعليم العالي، والفاعلين المينائيين مثل طنجة المتوسط، وميناء الدار البيضاء، ومنصات مثل PortNet، إلى جانب الشركات العاملة في النقل الطرقي والبحري والجوي وسلاسل التوزيع الكبرى.

ثانيا، ينبغي تشجيع إنشاء أندية طلابية متخصصة في سلاسل الإمداد، داخل الجامعات والمدارس العليا المغربية، تنظم لقاءات مع مهنيين، وورشات محاكاة لقرارات لوجستية، ومسابقات لحلّ مشكلات حقيقية تواجه المقاولات. هذه الأندية يمكن أن تتحوّل إلى فضاء يلتقي فيه الطلبة من تخصّصات مختلفة: الاقتصاد، والهندسة، والبيانات، والعلوم الاجتماعية، ليشتغلوا على مشاريع مشتركة تربط بين الجوانب التقنية والإنسانية لسلاسل الإمداد.

ثالثا، يتعيّن إدماج بعد الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية في كل مبادرة موجهة لجيل زد، لأن هذه الفئة تولي أهمية خاصة لشفافية سلاسل التوريد، ومحاربة العمل القسري، وتقليص البصمة الكربونية. فحين يدرك الطالب أن قرار شراء منتج معيّن قد يشجّع سلسلة إمداد مستدامة أو، بالعكس، يساهم في تكريس ممارسات غير أخلاقية، يتحوّل من مجرد مستهلك إلى فاعل مسؤول قادر على ممارسة ضغط إيجابي على المقاولات.

رابعا، يمكن للمغرب أن يستثمر موقعه الجغرافي كبوابة بين الشمال والجنوب لتنظيم تظاهرات دولية موجهة خصيصا لجيل زد، تجمع شبابا من إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط حول موضوع “سلاسل الإمداد المستدامة”، بمشاركة خبراء ومؤسسات دولية. مثل هذه المبادرات ستعزز صورة المغرب كمنصة للحوار والابتكار في اللوجستيك، وتفتح في الوقت نفسه آفاقا مهنية وشبكات تواصل جديدة للشباب.

أخيرا، يحتاج صانعو القرار إلى اعتبار “الوعي بسلاسل الإمداد” جزءا من رأس المال البشري الوطني. فالتقارير الدولية حول الابتكار والتنمية المستدامة تشير إلى أن الدول القادرة على جذب الاستثمارات النوعية هي تلك التي تمتلك كفاءات بشرية قادرة على تصميم سلاسل إمداد مرنة، رقمية، وخضراء في آن واحد.

الخاتمة

جيل زد ليس مشكلة في حد ذاته، بل هو فرصة تاريخية للمغرب. فهذه الفئة تمتلك مهارات رقمية أصلية، ووعيا متزايدا بقضايا العدالة الاجتماعية والبيئية، وروحا ريادية تدفعها إلى خوض تجارب المقاولة والابتكار. غير أنّ تحويل هذه المؤهلات إلى قوة اقتراحية في مجال اللوجستيك وسلاسل الإمداد يتطلب جهدا مشتركا بين المدرسة والجامعة والإدارات العمومية والقطاع الخاص ووسائل الإعلام.

إشراك الشباب في فهم تاريخ التجارة الدولية، وتطور العولمة، والأزمات التي تهزّ سلاسل الإمداد، مع ربط ذلك بالتحولات التي يعيشها المغرب عبر موانئه ومنصاته الصناعية، سيمنحهم القدرة على قراءة ما وراء الأخبار اليومية، وتحويل الاحتجاج المشروع إلى مشاريع ملموسة، وشركات ناشئة، ومبادرات مواطِنة.

في عالم تتحدد فيه قوة الدول بقدرتها على تأمين سلاسل إمدادها، قد يكون الرهان على “ثقافة لوجستية لجيل زد المغربي” أحد أكثر الاستثمارات استراتيجية على المدى البعيد. فكل شاب يفهم كيف تعمل سلاسل الإمداد، وكيف تتقاطع فيها التكنولوجيا مع السياسة والبيئة والعدالة الاجتماعية، هو لبنة في بناء مغرب أكثر سيادة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على التفاوض داخل الاقتصاد العالمي.

-أستاذ باحث
المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير – سطات

إقرأ الخبر من مصدره