الخط : A- A+
تستضيف العاصمة الرباط أشغال الدورة الـ14 لمؤتمر “الحوارات الأطلسية”، الحدث الدولي البارز الذي ينظمه مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، إذ يجمع المؤتمر، الممتد من 11 إلى 13 دجنبر، نخبة من الخبراء والقادة وصناع القرار.
وخلال مداخلته في الجلسة الافتتاحية، أكد يوسف العمراني، سفير المملكة المغربية بالولايات المتحدة، أن العالم يعيش لحظة تحول عميقة تتغير فيها موازين القوى وتُعاد فيها هندسة الأقاليم، فيما تتعرض سلاسل الإمداد لاضطرابات غير مسبوقة، ما يجعل الوضوحية اليوم “موردا استراتيجيا” أساسيا. وأبرز أن هذا بالضبط ما تقدمه مبادرة الأطلسي التي أطلقها الملك محمد السادس، باعتبارها رؤية طويلة المدى تحول فضاء مجزأ إلى منطقة جيوسياسية مهيكلة وقادرة على بناء مستقبل مشترك.
وأوضح العمراني أن هذه المبادرة تمثل إطارا استراتيجيا يؤسس للنظام والاستقرار والربط والفرص، مشيرا إلى أن النماذج القديمة أثبتت محدوديتها، وأن منطقة متجهة نحو مليار نسمة بحلول 2060 تحتاج إلى أدوات تعاون جديدة وفعالة.
وسلط السفير الضوء على ثلاث أولويات رئيسية تشكل جوهر الاستراتيجية الأطلسية للمغرب، وهي الاندماج والإدماج والابتكار، معتبرا أن الاستقرار والوحدة الترابية عنصران لا غنى عنهما لأي هندسة إقليمية متماسكة، وأن قرار مجلس الأمن 2797 بشأن الصحراء المغربية يمثل نقطة تحول استراتيجية تعزز هذا المسار وتمنح يقينا ضروريا لنجاح المشاريع الكبرى.
واستعرض العمراني أبرز المشاريع التي تقودها المملكة ضمن رؤيتها الأطلسية، وعلى رأسها ممر الداخلة–الساحل الأطلسي، وميناء الداخلة الأطلسي، ومنصات طنجة المتوسط، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، إضافة إلى مسارات الطاقة الخضراء المستقبلية. وأشار إلى أن هذه المشاريع ليست مجرد بنى تحتية، بل “محركات استراتيجية” تعيد وصل إفريقيا بالاقتصاد العالمي وتفتح آفاقا جديدة للدول الحبيسة بالمنطقة.
وبخصوص البعد التنموي، شدد العمراني على أن الاندماج ليس شعارا بل بنية وإرادة وحكامة، وأن الأطلسي الحديث لا يمكن أن يكون مشروعا عموديا من الشمال إلى الجنوب، بل يجب أن يكون مشتركا ومصمما بشكل جماعي، خاصة وأن إفريقيا ستضم أكبر قوة عاملة في العالم خلال العقود المقبلة.
كما توقف عند الابتكار باعتباره عنصرا حاسما، سواء في الأمن الغذائي أو الأمن الطاقي أو الاستقرار الإقليمي، مبرزا أن المغرب يقدم حلولا ملموسة في الري وتقليص الفاقد الفلاحي وربط الأسواق، إلى جانب إرساء مقاربة جديدة للأمن في منطقة الساحل تقوم على الفرص والتنمية.
واعتبر العمراني أن مبادرة الأطلسي تمنح إفريقيا فرصة لتصبح فاعلا جيوسياسيا مؤثرا، وليس مجرد ساحة تنافس بين القوى الدولية، من خلال بناء هوية استراتيجية موحدة، وصوت جماعي قادر على صياغة الأجندة الإفريقية وتأطير شراكات متوازنة تربط القارة بأوروبا والأمريكيتين.
وختم سفير المغرب بالولايات المتحدة بالإشارة إلى أن بناء “مجتمع أطلسي” يتطلب حكامة فعالة، عبر الآلية الوزارية الأطلسية، وحكامة الممرات، ومنصات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، معتبرا أن الأطلسي لم يعد هامشا، بل صار “حدود إفريقيا الاستراتيجية حيث تُبسط طموحاتها ويُصاغ مستقبلها”.