الجلسة العامة الخامسة للحوارات الأطلسية تسلط الضوء على قوة الشباب في مواجهة التحولات العالمية (صور)

Écrit par

dans

الخط : A- A+

انطلقت أعمال الجلسة العامة الخامسة ضمن فعاليات مؤتمر الحوارات الأطلسية تحت عنوان “بناء أمم مرنة: الوكالة المحلية ودور الشباب”، وهي جلسة سلطت الضوء على التحولات العميقة التي يشهدها العالم، وعلى الأدوار المتنامية التي يضطلع بها الشباب في إعادة تشكيل مسارات التنمية والحوكمة والاستقرار المجتمعي.

وفي هذا الإطار، أدار النقاش الصحفي غالاغر فينويك، مراسل ومدير تحرير سابق في “فرانس 24″، بمشاركة كل من إينيولا مافي، مديرة المناصرة العالمية والشراكات في منظمة “Bridges to Prosperity” من نيجيريا، وآنا بالاسيو، وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة.

واستهلت إينيولا مافي مداخلتها بالإشارة إلى أنها كانت قبل عقد من الزمن ضمن القيادات الشابة الصاعدة، وأن جلوسها اليوم على منصة النقاش يمنحها شعورا خاصا. وقدمت نفسها بصفتها مسؤولة عن المناصرة والشراكات في مؤسسة تعمل مع الحكومات لبناء البنيات التحتية للنقل القروي، مثل الجسور القصيرة الطرق الفرعية والمسالك، معتبرة أن معركة بناء أمم قوية تُحسم في “آخر ميل”، أي في المناطق الأكثر هشاشة حيث يعيش الأطفال والشباب الذين يحاولون الوصول إلى المدارس والأسواق والخدمات الصحية.

وأكدت ذات المتحدثة أن هذه الفئات تُعاني من غياب البنيات التحتية التي تُعد أساسا لتحقيق المساواة والوصول إلى فرص التنمية، مشيرة إلى أن 60% من سكان أفريقيا ريفيون، ولا يمكن الحديث عن أي إستراتيجية تنموية دون إدماج هذا الجزء الواسع من السكان.

وانتقلت مافي للحديث عن زاوية أخرى تنخرط منها في النقاش، وهي الولوج المدني والمشاركة الرقمية. إذ أشارت إلى مشاركتها في تأسيس حركة رقمية انبثقت عن احتجاجات #EndSARS ضد عنف الشرطة في نيجيريا، حيث اكتشف الشباب عبر العالم الرقمي قدرتهم على إعادة تخيل شكل الدولة والمجتمع الذي يرغبون في العيش فيه، مستعملين العملات الرقمية والبلوكشين وغرف النقاش والمنصات التفاعلية.

واستحضرت المتدخلة ما تم عرضه خلال الجلسات السابقة من خرائط في تقرير “Atlantic Currents”، أولها حول التحولات الديمغرافية التي تُظهر أن الشمال الأطلسي يتجه نحو الشيخوخة بحلول 2050، فيما تبقى أفريقيا وأجزاء من أمريكا اللاتينية وآسيا مناطق شابة وسريعة النمو، إذ يشكل الشباب ربع سكان العالم، معظمهم في أفريقيا.

أما الخريطة الثانية فتكشف مواقع البنى التحتية الاستراتيجية مثل الموانئ ومسارات الشحن وحركة الأشخاص، وتُظهر تباينا واضحا مع الخريطة الديمغرافية، إذ تبدو المناطق الأكثر شبابا في أفريقيا خالية تقريبا من البنى التحتية. وأضافت أن استطلاعات الرأي الحديثة تكشف للمرة الأولى منذ عقود عن شعور الشباب حول العالم بأن الأمل في تناقص، وأن هذا التناقض بين الإمكانات الديمغرافية وضعف البنى التحتية يفسر كثيرا من هذا الإحباط.

بعد ذلك أخذت الكلمة الوزيرة الإسبانية السابقة آنا بالاسيو، التي اعترفت بأن عنوان الجلسة أحاطها ببعض الحيرة لأنها اعتادت تناول موضوع بناء الدولة من منظور الحوكمة والازدهار، لا من زاوية “المرونة”. وأوضحت أن تكرار الحديث عن المرونة في المؤتمر—حيث ورد المصطلح 21 مرة في البرنامج—يعكس حجم التحديات وانعدام الأمن الذي يواجهه العالم اليوم. وبينت أن “الازدهار” يعني النجاح وامتلاك الموارد، بينما “المرونة” هي القدرة على العودة إلى حالة جيدة بعد أزمة أو حادث سيء، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. واعتبرت أن “المرونة” باتت مفهوما مركزيا في لحظة عالمية يتراجع فيها الشعور بالأمان ويكبر فيها حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

ونقلت بالاسيو جزءا من مقالتها المنشورة حديثا في “Project Syndicate” حول “الشباب الأوروبي”، مشيرة إلى أن العقد الاجتماعي في أوروبا—القائم على الحرية والديمقراطية والازدهار—قد تضرر بشكل كبير، وأن الشباب اليوم يواجهون صعوبة في الوصول إلى الاستقرار الاقتصادي، بما في ذلك امتلاك السكن، وهو أمر كان مضمونا نسبيا للأجيال السابقة. واعتبرت أن على أفريقيا أيضا أن تتوصل إلى “اتفاق اجتماعي جديد” مع شبابها الذين يملكون قدرة كبيرة على التكيف، مشددة على ضرورة ربط الأجيال ببعضها لأن قطع هذا الرابط يؤدي إلى تفكك المجتمعات.

وفي تعقيبه على مداخلة بالاسيو، انتقل مدير الجلسة إلى التدخل الثاني لإينيولا مافي، مستحضرا تجربتها المهنية السابقة كمستشارة قانونية عامة لمجموعة البنك الدولي، حيث كانت تؤكد دائما أن تمكين الفقراء يبدأ ببناء البنى التحتية والطرق، لأن هذه الخطوات تمنح السكان الوسائل لتمكين أنفسهم بأنفسهم.

وقدمت مافي نموذجا عمليا لتفاعل منظمتها مع الشباب في المناطق الريفية، موضحة أن 80% من اليد العاملة في مشاريع بناء الجسور التابعة لهم يقل عمرها عن 30 عاما. وأشارت إلى أنهم يتعمدون إطالة مدة بناء الجسر إلى أربعة أشهر بدلا من شهرين، لأن جزءا من الهدف هو التعليم المهني وبناء المهارات.

وأضافت أن الشباب يعرفون احتياجاتهم، وأن مسؤولية المؤسسات ليست بناء المشاريع لهم بل بناؤها معهم، مشيرة إلى أن تجاهل صوت الشباب يجعلهم يعبرون عنه بطرق احتجاجية أو عبر حركات اجتماعية. وكشفت عن تحقيق عائد اقتصادي يصل إلى 98% في بعض المشاريع، إلى جانب تطوير مواهب محلية قادرة على البناء والتصميم إلى جانب مهندسين كبار.

وفي الجزء الأخير من الحوار، طرحت مسألة “إعادة بناء الثقة” في المؤسسات في ظل ما وصفته بالاسيو بـ“العقد الاجتماعي المكسور”. وتحدثت الوزيرة الإسبانية السابقة عن مفهوم “جيل البانجي” في أفريقيا، وهو الجيل العالق بين الطفرة السكانية ومتطلبات المستقبل، مبرزة أن إيجاد وظائف مستقرة لم يعد بالأمر السهل. واستحضرت مثال المغرب، حيث لعبت مبادرات تمكين الشباب دورا أساسيا في خلق دينامية اقتصادية جديدة، مشيرة إلى تجربة مجموعة OCP التي أصبحت فاعلا عالميا في الأمن الغذائي بفضل منح مسؤوليات حقيقية لكفاءات شابة مؤهلة.

وأكدت بالاسيو أن تحدي أفريقيا اليوم هو كيفية تأهيل الشباب بالمهارات المناسبة وضمان استمرار التواصل بين الأجيال بما يحفظ تماسك المجتمعات ويعزز قدرتها على النهوض. واختتمت الجلسة بفتح باب النقاش أمام الجمهور، وسط تأكيد المتدخلين على أن الشباب ليسوا مجرد مستفيدين من السياسات، بل شركاء أساسيون في بناء أمم مرنة وقادرة على مواجهة المستقبل بثقة أكبر.

إقرأ الخبر من مصدره