الأحداث بقلم محمد اعويفية
في كل مرة تهطل فيها الأمطار بغزارة، ويعلو منسوب المياه في واد الشعبة وتتدفق لتغمر المدينة القديمة وساحة سيدي بو الذهب، يعود الجدار اللعين إلى الواجهة، لا كمنشأة صامتة من إسمنت وحديد، بل كرمز فاضح لسوء التدبير، وشاهد ثقيل على كارثة كان يمكن تفاديها. ذلك الجدار الذي شيد بدعوى عزل المدينة عن بحرها ، وجعل الطريق آمنا أمام قطار الكبريت ،تحول اليوم إلى سبب مباشر في اختناق الطبيعة وكثم أنفاسها، واختلال توازنها، واندلاع الفيضانات التي التهمت كل شيء البيوت والطرقات والارواح والأحلام.
لم يكن الجدار في جوهر فكرته شرا مطلقا؛ غير أن المشكلة لم تكمن يوما في الفكرة، بل في التنفيذ الأعمى الذي تجاهل قوانين الطبيعة، وتغافل عن تاريخ الأرض ومسارات المياه التي لا تنسى طرقها ومجاريها القديمة. فالمياه، مهما حوصرت، تجد دائما سبيلها للانفلات والنفاذ، وحين تمنع من الجريان الطبيعي، تتحول من نعمة إلى نقمة وشر .
لقد أغلق الجدار منافذ التصريف، وخنق المجاري، ومنع المياه من التدفق الطبيعي نحو البحر عبر الأراضي المنخفضة. ومع كل موسم مطري، تتكدس السيول خلفه وسط الساحة الشهيرة ، تتربص بلحظة ضعف ، أو تبحث عن طريق جانبي لتكون أكثر تدميرا. فتنهار منازل الفقراء قبل غيرهم، وتغرق المحلات التجارية، وتتعطل الحياة كليا.
الأخطر من ذلك أن الجدار اللعين لم يكن خطأ تقنيا فحسب، بل نتيجة عقلية تخطيطية قصيرة النظر، ترى في الحلول السريعة إنجازا، وفي الخرسانة انتصارا على الطبيعة. غيبت الدراسات العلمية الدقيقة، واستبعدت المنطق ، لصالح قرارات ارتجالية عديمة النظر لا تحسب حساب العواقب. وهكذا، صار الجدار شاهدا على فجوة عميقة بين الإنسان وبيئته، وعلى تمكن نزعة الغباء وسيطرتها على العقول بدل الفهم.
لا يمكن فصل الفيضانات عن سياق أوسع من الإهمال البيئي فالجدار، وإن بدا السبب الظاهر، هو في الحقيقة حلقة في سلسلة من الأخطاء: ردم مجاري المياه في مناطق فيضية، وغياب الصيانة، وتراكم النفايات التي تزيد من انسداد القنوات. كل ذلك يجعل من أي جدار، مهما كانت نواياه، مشروع كارثة مؤجلة.
معالجة هذه المعضلة لا تبدأ بهدم الجدار وحده، بل بهدم العقلية التي أنتجته. تبدأ بإعادة الاعتبار للطبيعة، وبالاعتراف بأن التعايش معها أذكى من لوي ذراعها و تحديها. فلا بد من تخطيط علمي تشاركي، يراعي مسارات المياه، ويعتمد حلولا مستدامة، كتهيئة واد الشعبة، وبناء قنوات تصريف كبيرة تحترم المجال الفيضي .
سيبقى الجدار اللعين درسا قاسيا: فحين يبنى ضد الماء، لا ينتصر الإنسان، بل يؤجل هزيمته. والسماء حين تغضب، لا تهدم الإسمنت فقط، بل تفضح الأفكار والأخطاء التي صنعت بعيدا عن الحكمة والتبصر.
هيئة التحرير14 ديسمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره