الخط : A- A+
ركزت الجلسة العامة التاسعة، التي تحمل عنوان “الشراكات الأطلسية بين الشمال والجنوب – إدارة التوقعات والواقع، والتي تنعقد في إطار اليوم الثالث والأخير من الدورة الرابعة عشرة لمؤتمر “الحوارات الأطلسية”، المنعقدة بالرباط في الفترة الممتدة من 11 إلى 13 دجنبر، ضمن تنظيم مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد وتحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، على الشراكات بين دول الشمال والجنوب الأطلسي وإشكالية التوازن بين التوقعات والواقع، في سياق عالمي متسم بالترابط والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية السريعة.
وقد ألقى عمر هلال، الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، مداخلة موسعة تناول فيها دور المغرب في دعم الدول الإفريقية عبر رؤية المملكة في التعاون الجنوب-جنوب، لاسيما في مجالات الطاقة، التنمية، البنية التحتية، التجارة، الزراعة، التأمين، والاتصالات.
وأوضح أن المغرب أصبح شريكا فاعلا في مساعدة الدول الإفريقية على بناء سيادتها الوطنية، وأكد أن المملكة لم تعد مجرد دولة مضيفة للمساعدات، بل أصبحت عنصرا محوريا في دعم هذه الدول لتحقيق تنميتها الاقتصادية والسياسية.
وأشار هلال إلى أن الأمن يشكل الأساس لأي تنمية مستدامة، مشددا على أن بناء الدول يتطلب وجود استقرار أمني يمكن من وضع استراتيجيات فعالة للتنمية. وأوضح أن المغرب ساهم في مبادرات مثل بناء المدن، تطوير شبكات الطرق والموانئ، وتأمين ممرات تربط الساحل الإفريقي بالمحيط الأطلسي، بما يسهل تصدير المنتجات واستيراد المواد الأساسية بأسعار منخفضة، كما دعمت هذه المشاريع تطوير البنية التحتية ورفع قدرة الدول الإفريقية على إدارة حدودها ومدنها.
وتطرق هلال كذلك إلى التعاون بين الشمال والجنوب في مواجهة التحديات البيئية، مثل تغير المناخ، التآكل الساحلي، ملوحة المياه، إلى جانب التدريب في مجال الصيد البحري ورسم الخرائط الساحلية. وأضاف أن المغرب ينسق هذه الجهود عبر ما يسميه التعاون الجانبي الحر، وهو إطار يسمح بدمج خبرات ومعرفة دول الشمال مع القدرات المحلية، بما في ذلك الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي.
وأكد هلال أن المملكة، بالتعاون مع الأمم المتحدة، أصبحت مركزا لتبادل الخبرات والتقنيات بين إفريقيا ودول الشمال، مشيرا إلى توقيع اتفاقية حديثة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعم إفريقيا في مجال الذكاء الاصطناعي، ومساعدة الدول الإفريقية على وضع استراتيجيات لإدارة هذه التكنولوجيا، مع تدريب المهندسين والإطارات الوطنية. وأضاف أن هذا التعاون يشمل أيضا استخدام الطاقة المتجددة لتوليد البيانات وتعزيز مهارات البحث والتطوير، وهو ما يسهم في تقليل اعتماد الدول الإفريقية على المساعدات الخارجية وتحقيق استقلاليتها.
وأشار الدبلوماسي المغربي إلى أن الملك محمد السادس أكد، خلال زيارته لكوت ديفوار، أن إفريقيا يجب أن تعتمد على قدراتها الذاتية ومواردها الوطنية، وأن تعمل على تطوير صناعاتها وصادراتها بدلا من الاقتصار على تصدير المواد الخام، مع منح الفرص للشباب والمهندسين للإسهام في بناء مستقبل القارة.
وأوضح السفير هلال أن هذا النهج يهدف إلى تعزيز الاستفادة من الموارد البشرية الإفريقية، سواء من الأطر المتعلمة محليا أو العائدين من الخارج نتيجة سياسات مكافحة التمييز أو الهجرة، ما يشكل قاعدة لصمود سياسي واقتصادي مستدام في القارة.
وشدد ذات المتحدث خلال مداخلته على أن إفريقيا تمتلك مقومات دائمة للنمو، تتمثل في طاقات شبابها المؤهلين، وخبراتهم المكتسبة محليا وعالميا، ما يجعل القارة قادرة على بناء مستقبل أفضل لشعوبها، بعيدا عن الاعتماد الكلي على المساعدات الخارجية، مع تعزيز الاستقلالية الاقتصادية والسياسية وممارسة دور فاعل في إدارة الشراكات الدولية.
وفي سياق متصل، ركزت الجلسة على مجموعة من الأسئلة المحورية: كيف يمكن للشراكات بين الشمال والجنوب أن تتجاوز نموذج المانح-المستفيد التقليدي لتعكس مصالح ومسؤوليات مشتركة؟ كيف تؤثر التباينات في السياسات والقدرات الاقتصادية بين الشمال والجنوب على نتائج أطر التعاون؟ وكيف يمكن للفاعلين في الجنوب تعزيز قدرتهم التفاوضية لضمان نتائج عادلة ومستدامة؟ وما هي الآليات العملية—مالية، مؤسساتية، أو دبلوماسية—التي يمكن أن تساعد في تحويل خطاب الشراكات إلى تعاون متوازن وفعال؟
وقد شارك في الجلسة، إلى جانب عمر هلال، عدد من الخبراء وصناع القرار من مختلف دول العالم، من بينهم أستاناه عبد العزيز، نائبة الأمين العام لجماعة الآسيان للمجتمع السياسي والأمني في ماليزيا، ليون برناردينو، الممثل الخاص السابق ورئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، وريناتو فلوريس، مدير وحدة الاستخبارات الدولية في Fundação Getulio Vargas بالبرازيل، لتقديم رؤى متعددة حول واقع ومستقبل التعاون الأطلسي بين الشمال والجنوب.