المعادن الحرجة

Écrit par

dans


محمد شهبي

في العقد الأخير، تحوّل الاقتصاد العالمي من الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى اقتصادٍ يُدار بالبيانات، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي. ومع هذا التحوّل، برزت موارد جديدة كعوامل حاسمة في التنافسية الاقتصادية والأمن القومي، انها المعادن الحرجة. تشير وكالة الطاقة الدولية (IEA) إلى أن الطلب العالمي على هذه المعادن قد يتضاعف أربع مرات بحلول عام 2040، إذا ما تمّ تنفيذ الالتزامات المناخية الحالية. وفي قلب هذا السباق تقف قوتان عظميان: الصين، التي تسيطر على سلاسل القيمة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذان يسعَيان جاهدين لاستعادة الاستقلالية الاستراتيجية.

الهيمنة الصينية: من السيطرة على الإنتاج إلى احتكار التكرير

لا تكمن القوة الصينية فقط في امتلاكها احتياطيات كبيرة، وإن كانت محدودة نسبيًّا مقارنة بدول أخرى، بل في بناءها لسلسلة توريد متكاملة لا مثيل لها. فحسب بيانات وزارة الطاقة الأمريكية (2024):

الصين تُسيطر على 60 ⸓ إنتاج الليثيوم العالمي المُكرَّر رغم أنّها تمتلك فقط 7٪ من الاحتياطيات العالمية، التي تتركّز في تشيلي والأرجنتين وبوليفيا.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

تُسيطر على نحو 85-90⸓ من سلسلة تكرير العناصر الأرضية النادرة (مثل النيوديميوم والديسبروسيوم)، وهي ضرورية في صناعة المغناطيسات الفائقة المستخدمة في توربينات الرياح والسيارات الكهربائية.

تُعالج نحو 70٪ من الكوبالت العالمي، رغم أنّ 70٪ من الإنتاج الخام يأتي من جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وقد استثمرت الصين أكثر من 20 مليار دولار منذ 2010 في مشاريع تعدين خارجية، خاصة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، عبر مبادرة “الحزام والطريق”. وبفضل هذا، حوّلت بكين نفسها من مستورد إلى البوابة العالمية الوحيدة للكثير من هذه المواد.

الرد الغربي: من الاعتماد إلى “إعادة التوطين الاستراتيجي”

في المقابل، أطلقت الولايات المتحدة مبادرة “شراكة المعادن الحرجة” (Critical Minerals Partnership) مع كندا وأستراليا، وخصصت نحو 7 مليارات دولار من قانون خفض التضخم (Inflation Reduction Act – 2022) لدعم سلاسل التوريد المحلية. كما انضم الاتحاد الأوروبي إلى السباق عبر قانون المواد الخام (Critical Raw Materials Act – 2023)، الذي يهدف إلى:

رفع إنتاج العناصر الأرضية النادرة في أوروبا إلى 10٪ من الاستهلاك المحلي بحلول 2030.

تحديد ألا تتجاوز واردات أي معدن حرج 65٪ من دولة واحدة، إشارة واضحة إلى الصين.

ومع ذلك، يُظهر تقرير صادر عن جامعة هارفارد (2024) أن الغرب لا يزال بعيدًا عقدًا على الأقل عن بناء بنيته التحتية للتكرير، نظرًا لغياب الخبرة التقنية، والقيود البيئية الصارمة، وارتفاع التكاليف.

الجغرافيا الجديدة للنفوذ: إفريقيا وأمريكا اللاتينية ساحات مواجهة خفية

أصبحت دول مثل الكونغو الديمقراطية (70٪ من الكوبالت)، وأستراليا (أكبر منتج لليثيوم الخام)، وتشيلي (ثاني أكبر احتياطي لليثيوم)، محطّ أنظار القوى العظمى. ففي عام 2023، أبرمت الولايات المتحدة اتفاقية أمنية مع الكونغو لضمان “وصول آمن” إلى الكوبالت، بينما وقّعت الصين صفقات طويلة الأمد مع شركات لاتينية لشراء الليثيوم بأسعار مدعومة، مما يُصعّب على الشركات الغربية المنافسة.

وفي غرينلاند، حيث تحتوي التربة على احتياطات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة، تزايدت الأنشطة الدبلوماسية الأمريكية والصينية، ما دفع حكومة غرينلاند إلى فرض حظر على التعدين الصيني في 2021، خشية من “الاستعمار الاقتصادي الجديد”.

التحدي البيئي والأخلاقي: تناقضات الانتقال الأخضر

يثير هذا السباق تناقضًا صارخًا، فـالاقتصاد الأخضر يُبنى على تعدين ملوّث، وبحسب تقرير الأمم المتحدة للبيئة (2024)، يتطلّب إنتاج بطارية سيارة كهربائية واحدة نحو 500 ألف لتر ماء في مناطق تعاني أصلاً من شُحّ المياه، مثل صحراء أتاكما في تشيلي. كما يُشير تقرير منظمة العفو الدولية (2023) إلى أن نحو 20٪ من الكوبالت في الكونغو يُنتَج عبر عمالة الأطفال.

وفي هذا السياق، تحاول الصين تحسين صورتها عبر الترويج لمفاهيم مثل “التعدين الأخضر”، لكن دون معايير شفافة. أما الغرب، فيواجه معضلة بين القيم الأخلاقية وضرورات الأمن الاستراتيجي.

خاتمة: بين الصراع والتعاون، ما مستقبل النظام الصناعي الجديد؟

السباق على المعادن الحرجة ليس مجرد معركة اقتصادية، بل معركة وجودية لتحديد من سيقود الثورة الصناعية الرابعة. والسيناريوهات المحتملة تتراوح بين:

-استمرار الهيمنة الصينية، إذا فشلت الدول الغربية في تسريع استثماراتها.

-تشظّي النظام إلى كُتلتين متنافستين: اقتصاد أمريكي-غربي مقابل اقتصاد صيني-جنوبي.

-بناء نظام تعاوني جديد قائم على المعايير المشتركة وإعادة التدوير، وهو الأمل الأضعف حاليًّا.

في كل الأحوال، لم تعد السيادة الوطنية تقاس فقط بالسلاح أو العملة، بل بمن يملك المفتاح الكيميائي لمستقبل التكنولوجيا.

-باحث في العلوم السياسية

إقرأ الخبر من مصدره