الرقم 37: ماء و مـ ـوتى ، شـ ـؤم وفشل بحاضرة المحيط آسفي

Écrit par

dans

الأحداث بقلم محمد اعويفية

الرقم 37 ليس مجرد رقم عابر في سياقه المعهود، سياق العد والحساب، بل صار ذاكرة جماعية ورمزا ثقيلا؛ سيذكرنا هنا بآسفي ويقف أمامنا كالحلم المزعج ،كلما بلغ الإخفاق ذروته، وكلما اكتملت دورة الإهمال والعبث دون أن يفضي ما وقع اليوم إلى التحقيق للخلاص ممن كان وراء الفاجعة. إنه رقم لا يخيف لذاته، بل بما ألصق به من وقائع، وبما تراكمت حوله من خيبات وفواجع جعلته أشبه بمرآة تظهر ما قد يحاول البعض إخفاءه وإنكاره.

سبعة وثلاثون مليمترا من الأمطار، وسبعة وثلاثون شهيدا عبروا من باب مدينة دون أن ترى وجها حقيقيا للتنمية، أو حتى دون أن تتغير، أو أن يسأل منتخبوها أنفسهم: ماذا أنجزنا لها ولسكانها؟ هنا لم يعد الرقم مجرد عدد أو وحدة قياس بلا معنى أو دلالة، بل تحول إلى شهادة إدانة للكل؛ شهادة على نسبة ماء قليلة أهدرت، وأرواح بريئة أزهقت، وعلى وعود شاخت قبل أن تولد، وخطابات جوفاء فاقدة لمعناها من كثرة التدوير والتلويك.

الرقم 37 ماء وموتى، لم يأتي عبثا ، فهو كامل من حيث العدد والأثر في الذاكرة؛ إذ يرسخ التهميش، ويعمق الفوارق، ويحول الانتظار إلى قدر ومصيبة. عند هذه النقطة، يصبح هذا الرقم رمزا للفاجعة والخذلان، وللعمر الضائع والزمن المنقضي، أكثر مما هو رمز للعد والحساب أو القياس.

سوداوية العدد 37 ومشؤوميته ليست خرافة، ولا رهابا رقميا كما هو شائع في بعض الثقافات الأخرى، بل سواد ومشؤومية سياسية وأخلاقية أرخت بظلالها على المدينة منذ زمن طويل. حين يطول البقاء في المواقع نفسها، بالأسماء نفسها، والعقليات نفسها، يصبح الزمن عدوا، ويصير كل عام إضافي عبئا على المواطنين لا مكسبا لهم. سبعة وثلاثون شهيدا، وسبعة وثلاثون مليمترا من الماء، كشفت أن المدينة تسير بلا رؤية، ولا أثر لتدبر عقلاني محكم. أليست هنا الكارثة كفيلة بأن تجعل أي رقم ملعونا مشؤوما في نظر من دفع ثمنها؟

لكن أخطر ما في الرقم 37 أنه جاء ليكشف هشاشتنا في مواجهة أنفسنا بالحقيقة؛ فهو يسألنا، جاحظا عينيه بلا مواربة: لماذا فشلنا؟ «شكون» المسؤول فينا؟ من منعنا من التنمية وكان ضد مدينتنا؟ الرقم الملعون فضح ثقافة التبرير عندنا جميعا، وعرى وهم الاستمرارية والتبجح، ووضعنا أمام سؤال كبير عريض: من يستحق أن يقود المدينة مستقبلا، ومن يجب أن يترجل عن صهوتها؟

سيبقى الرقم 37 لعنة أبدية لثقل دلالاته، وقصتنا معه فاصلة مؤلمة؛ حولته إلى شاهد على فشلنا جميعا، وإلى درس قاس يلقن كل لحظة عن المسؤولية وجسامتها، وعن قيمة الماء المهدر والأرواح التي تؤخذ غدرا، والأهم والأخطر: أن نترك المستقبل في أيد لا تحب المدينة ولا تحب الوطن.

هيئة التحرير17 ديسمبر، 2025

إقرأ الخبر من مصدره