الأحداث بقلم محمد اعويفية
في ظل توالي الكوارث الطبيعية على البلاد، وأمام ما وقع في منطقة الحوز، وقبلها الحسيمة، وبعد الذي عايناه أمس في آسفي، تبرز ضرورة تدخل الدولة بوصفها الفاعل الأول والمركزي القادر على تنظيم وتنسيق جميع العمليات، بما يضمن التوزيع العادل للمساعدات، وتكافؤ الفرص، والنجاعة في الأداء، وصون الكرامة الإنسانية للمتضررين. فالكارثة، حين تقع، لا تختبر قوة وصلابة البنية التحتية فقط، بل تكشف أيضا مدى قوة الدولة ومتانة مؤسساتها، وقدرتها على حماية مواطنيها في أوقات الشدة.
ففي غياب سلطة منظمة، قد تخضع المساعدات لمنطق الفوضى والارتجال، أو للمحسوبية، أو للتفاوت في تقدير حجم الضرر، فتصل هذه المساعدات إلى فئات، وتحرم منها أخرى أشد حاجة. أما الدولة، وما تمتلكه طبعا من معطيات دقيقة، وآليات إحصاء، وخبرة ميدانية، فهي الأجدر والأقدر على تحديد أولويات العطاء، وحصر الأضرار، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه وفق معايير واضحة وشفافة.
إن تدخل الدولة بتنسيق مع مختلف الفاعلين، من جماعات ترابية، ومؤسسات عمومية، ومنظمات المجتمع المدني، وحتى الشركاء الدوليين، يتطلب استجابة شاملة ومتكاملة، لا تتشتت فيها الجهود، ولا تضيع أثناء التدخلات. فمن دون قيادة مركزية تضبط الإيقاع، وتوحد المجهود والرؤية، تتحول النوايا الحسنة إلى فوضى قد تهدر الموارد، وتضاعف معاناة المتضررين، وتزيد منها بدل تخفيف القليل مما هم فيه.
ويمثل تدخل الدولة ضمانة لاستدامة واستمرارية المنح والمساعدات، التي لا ينبغي أن تقتصر على الإغاثة العاجلة فقط، بل يجب أن تمتد إلى إعادة الإعمار، ودعم سبل العيش، وترميم ما تهدم من منازل، ومتاجر، ومؤسسات، وكل الخدمات الأساسية. وهنا تتجلى أهمية السياسات العمومية بعيدة المدى، التي لا تعوضها المبادرات الفردية والظرفية، مهما بلغ حجمها أو صدقها، ولنا في زلزال الحوز خير مثال.
إضافة إلى كل ذلك، يرسخ تدخل الدولة، بالأساس، الثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يشعر المتضرر أن دولته موجودة وحاضرة إلى جانبه، تواسيه، وتدعمه، وتحميه وقت الشدة من أي استغلال، يتعزز الإحساس بالانتماء للوطن، ويترسخ ويقوى مفهوم السلم الاجتماعي. أما ترك الضحايا لمصيرهم، والارتهان للمساعدات العشوائية، فيغذي الإحباط، ويقوض الثقة في العمل التضامني، وفي المؤسسات، خصوصا المنتخبة.
إن تدخل الدولة في توزيع المساعدات على المتضررين من الكوارث إجراء تفرضه مسؤولية حماية المواطنين وضمان كرامتهم. فالدولة القوية لا تقاس فقط بقدرتها على التسيير في أوقات السلم والرخاء، بل تختبر حقا في لحظات المحن والكوارث.
هيئة التحرير18 ديسمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره