كتب الإعلامي اللبناني، خير الله خير الله، مقالا، تحت عنوان “عرب المنطق… وعرب الأوهام!”، تطرق فيه لفشل النظام الجزائري في استغلال القمة العربية التي احتضنتها الجزائر مطلع نونبر الماضي، للتطور والتخلص من أسر عقد الماضي، وكيف أنه ضيع هذه الفرصة الثمينة التي سنحت له، مشيرا إلى أن القمة المذكورة كشفت حقيقة هذا النظام الذي يسيطر عليه العسكر سيطرة تامة، ومدى معاناته من العقدة المغربيّة.
وقال ذات الإعلامي، إنه وبعد أقل بقليل من شهر على انعقاد القمة العربيّة في الجزائر، تبيّن أنها كانت فاشلة، خصوصا بعد غياب القدرة لدى الجزائر على تسمية الأشياء بأسمائها… أو التغطية على انحيازها لمحور الممانعة الذي تقوده إيران حيث أنه نظام مرفوض من شعبه. إضافة إلى المناورات العسكرية الجزائرية – الروسيّة في منطقة قريبة من الحدود المغربيّة. وهي مناورات أجريت مباشرة بعد انعقاد القمة العربيّة، من النوع المضحك المبكي.
وأضاف ذات المتحدث خلال حديثه عن هذه المناورات: “تدعو هذه المناورات إلى الضحك بعدما كشفت الحرب الأوكرانيّة حقيقة القوة العسكرية الروسية ونوعية السلاح الروسي في الوقت ذاته. مثل هذا السلاح يصلح لقتل شعب مثل الشعب السوري المجرّد من أي سلاح لا أكثر. عندما يتعلّق الأمر بجيش مدرّب يمتلك بعض الأسلحة الحديثة مثل الجيش الأوكراني، تصير الأمور مختلفة. يتبيّن أن الجيش الروسي لا يصلح لحروب خارج أرضه ولا يستطيع خوض مثل هذه الحروب. سبق للاتحاد السوفياتي أن فشل فشلا ذريعا في أفغانستان، لكنه أظهر فاعليّة كبيرة عندما تعلّق الأمر بمواجهة مدنيين مسالمين. استطاع السيطرة على بودابست في العام 1956 وقمع “ربيع براغ” في العام 1968”.
وأشار الإعلامي اللبناني في مقاله إلى أن الجانب المبكي في المناورات الروسيّة – الجزائريّة، يرجع إلى استعداد النظام الجزائري لتبديد مليارات من الدولارات (نحو عشرين مليارا) من أجل شراء أسلحة روسيّة لا فائدة تذكر منها، اللهمّ إلّا إذا كان الأمر يتعلّق بتنفيعات ما ومصالح شخصيّة وتأكيد لانتماء الجزائر إلى فكر ما قبل انتهاء الحرب الباردة، مضيفا أنه كان على النظام الجزائري صرف هذه الأموال على الاستثمار في إقامة بنية تحتية أفضل وتوفير فرص عمل للشبان وبعض الرفاه للشعب الجزائري، كي لا تتكرر تجربة “سنوات الجمر” بين 1988 و1999.
وأضاف أنه كان أيضا بالإمكان استثمار كلّ هذه المليارات التي مصدرها ارتفاع أسعار النفط والغاز، من أجل تحسين المستوى التعليمي في المدارس والجامعات الجزائريّة بدل استمرار البحث عن عدو وهمي هو المغرب الذي لا يكنّ للجزائر وشعبها سوى الخير. مستحضرا كيف أن الملك الراحل، الحسن الثاني كان أول من وجّه بإرسال مساعدات غذائية وغير غذائية إلى الشعب الجزائري في أعقاب الانتفاضة الشعبيّة في أكتوبر 1988، وهي انتفاضة عبّرت عن مدى كره الشعب الجزائري للنظام العسكري القائم منذ الانقلاب الذي نفذه العقيد هواري بومدين في العام 1965.
وأكد ذات الإعلامي أن قمّة الجزائر كانت فرصة كي يثبت النظام الجزائري قدرته على التطور والتخلص من أسر عقد الماضي. لكنّه أضاع الفرصة التي سنحت له، مضيفا أن هذه القمّة كشفت حقيقة هذا النظام الذي يسيطر عليه العسكر سيطرة تامة. مشيرا وحسب مصادره التي قال عنها بأنها كانت على علم بتفاصيل ما جرى في القمة وخلالها، إلى أن الرئيس عبدالمجيد تبّون كان يتطلع إلى مجيء العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى الجزائر، خصوصا أن مثل هذه الخطوة ستوفّر قيمة للقمة العربيّة وتعطي معنى لها.
وأضاف، أن الجزائر استضافت القمة بعد اضطرار النظام إلى التراجع نهائيا عن فكرة دعوة بشّار الأسد إلى الجزائر… لكن التعليمات التي صدرت من المجموعة العسكريّة إلى تبون منعته من السعي إلى الترحيب بحضور العاهل المغربي القمّة. مشيرا إلى أنه وفوق كل هذا، لجأ العسكر، مستخدما الأجهزة الأمنيّة، إلى مضايقة الوفد المغربي الذي كان موجودا في الجزائر تحضيرا للقمّة. بحيث لم يكن التركيز على وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ومساعديه فحسب، بل شملت المضايقات أيضا الوفد الإعلامي المغربي… إضافة إلى إعلاميين عرب وأجانب سعوا للحصول على وجهة النظر المغربيّة.
وأوضح خير الله خير الله في مقاله أن الطريقة التي تعاملت بها الأجهزة الجزائريّة مع الوفد المغربي كانت سابقة في تاريخ الاجتماعات العربيّة. لكنّه كان، لطريقة التعامل هذه، جانب إيجابي واحد نظرا إلى أنّها كشفت طبيعة هذا النظام ومدى معاناته من العقدة المغربيّة. كذلك كشفت إلى أي حد يبدو مستعدا للذهاب عندما يتعلّق بإظهار العداء للمغرب بغية تنفيس الاحتقان الداخلي…
وقال ذات الكاتب: “بعد فترة قصيرة من انعقاد القمّة، انصرفت كلّ دولة عربيّة إلى الاهتمام بشؤونها الداخلية وكيفية حماية نفسها من المخاطر التي يشهدها العالم، خصوصا في ضوء الحرب الأوكرانية. على العالم العربي، أو العوالم العربيّة، الاهتمام بما تشهده إيران من تطورات داخلية في غاية الخطورة. من الواضح أنه بات على كل دولة عربيّة، تحترم نفسها، التعاطي مع نظام لا همّ لديه غير المضي في مشروعه التوسّعي الذي في أساسه تدمير المؤسسات في هذه الدولة العربيّة أو تلك. ليس لبنان الذي انهار كلّيا سوى مثال على ما يستطيع المشروع التوسّعي الإيراني عمله”.
وأكد خير الله أيضا أن النظام الجزائري نجح في أمر واحد. نجح في جعل اللغة الخشبية تسيطر على أعمال القمّة التي اكتفت بـ”إدانة كل أنواع التدخل في الشؤون العربيّة”. لم تسمّ القمة في البيان الصادر عنها إيران وميليشياتها المنتشرة في أماكن مختلفة من بينها العراق وسوريا ولبنان واليمن…، متسائلا “هل ينجح النظام الجزائري في جعل القمّة التي استضافها نموذجا لما على العرب تفاديه في المستقبل؟ مشيرا إلى أن ما حصل خلال القمة وبعدها يوفر جوابا عن هذا السؤال الذي يجعل بلدا مثل المغرب، صاحب حسابات خاصة به تقوم على الدفاع عن نفسه وعن مصالح شعبه، خصوصا بعدما وقف العرب الشرفاء إلى جانبه ودعموا وحدته الترابية وطرحه في ما يخصّ أقاليمه الصحراويّة.
وختم الإعلامي اللبناني مقاله بالقول: ” من حسنات مرحلة ما بعد قمّة الجزائر أنّ هذه القمّة كشفت وجود عرب المنطق وعرب اللامنطق… عرب القرن الحادي والعشرين وحقائقه وعرب الأوهام الذين يرفضون الاستفادة حتّى من تجربة التعاطي مع الاتحاد السوفياتي ثم مع روسيا فلاديمير بوتين التي يتبيّن يوميا إلى أي درجة صارت مرتمية في الحضن الإيراني”.

Laisser un commentaire