“بلغ السيل الزبى”.. بقلم الدكتور كمال اكوجكال

Écrit par

dans

الأحداثالدكتور كمال اكوجكال
آسفي…قلت وكتبت عن المدينة وعن أهاليها… تغنيت بجمال الأمكنة وتذكرت أفضل حكاياتي فيها… أما اليوم… آسفي قلبها مكلوم ولا أكتب الآن لأوفر المعلومة للعموم… قلت في الصيف الماضي إن المدينة تنتحب، ولم يكن الأمر من باب المغالاة، فقد وجدت كان كل ما فيها شاحب… لا يحيا في المدينة إلا ناسها… مدينة الفخار… حاضرة المحيط… مدينة الصغار والكبار… عاصمة عبدة وعاصمة السمك والكَبَّار… مدينة الفلاحة… مدينة الملاحة… مدينة العظمة والعظام… مدينة تركوها لحالها، تركوها لأقدارها حتى بلغت الجراح العضام… مدينة الاستثناءات… حاضرة المفارقات… صبر الناس، صبرت النفوس… صبرت الأهالي على كل شيء، حتى على ما أتى به الصيف من حر… وصبر الناس على ما أتت به المواسم الجديدة من قر… حر وقر كادت تنقطع معه الأنفاس، ولكن إن سألت أحدهم عن الحال يرد دون تردد “لاباس”…

صبرت النفوس علما أن الأمور بلغت فعلا مرحلة اليأس… لا رجاء إلا في الواحد الأحد… لا أمل يحذو أحد… الأسفيون، على مدينتهم ولو تأسفوا، كانوا يمنون النفس بالتغيير ولو أغلبهم فعلا يئسوا…ثم جاء الماء…الماء المتدفق من السماء… الماء المنقذ من الجفاف… الغيث المنجي ولو ملأ الأودية إلى ما بعد الضفاف… أتي الغيث… الغيث الذي إليه نستغيث، ولا نعتقد أن منه يوما أبدا سنستغيث… جرت السيول… فاجأت الناس لأنها جرت إليهم جريا يفوق ركض آلاف، بل ملايين الخيول… جرت وجرفت في طريقها كل شيء تقريبا… جرفت في لحظات الدواب والعربات، ثم انحسر سيرها نحو البحر، السيل الجارف المنحسر علا وعلا، فأتى حتى على الأرواح… تحول موسم الأمطار إلى موسم الحصاد… حصدت الأرواح، وذهبت مع السيول سلع الناس… ذهبت أموالهم وكل ما يملكون، ولو فرش بال، فقد طمر تحت الأوحال كل شيء… كل شيء راح… رأى الناس هيجان الوادي وسرعان ما سمعوا صرخات بعضهم… صرخوا من فواجعهم وليس من فاجعة واحدة… فواجع الصدمة… فواجع الفقد… فواجع اليأس… فواجع ومرارة أطلقت للغضب شرارة… من مات مات، سنبكيه ونبحث عمن لم نجد له رفات… سنبحث وسط الحطام… سنبحث في البر… سنبحث أيضا في البحر… ما هذا الغبن؟ ما هذا الظلم؟ سنبحث عمن لعذاب الناس سيفسر… من أين أتى إلينا هذا المصاب؟ من غدر بنا؟ من تسبب في يأسنا وموتنا؟ من تسبب في خساراتنا وإفلاسنا؟ من ظلمنا وغبننا؟ مصدر الهم والغم والكارثة واضح… الشباب المسفيوي يتحدث ويتحدى بشكل فاضح… الكارثة ليست واحدة ووحيدة… متعددة تعدد وتنوع أسبابها : التعطيل والتفقير والتهميش والفساد…
مسؤولون أغلبهم غائبون… مسؤولون بالتهاون متهمون… مسؤولون غير مسؤولون… مسؤولون عليهم وعلينا نحن سكان المدن الأخرى الأمر يهون… فلا نحن رحنا ولا مالنا ذهب وأبدا لن يعود… ولا أحد من أفراد أسرتنا أو أبناء أو بنات حينا مفقود… بالفعل لإخواننا في آسفي نواسي… ولكننا لم نذق مرارة الغدر ولا من نفس الظلم نقاسي… نتأسف لما حدث دون أن نعرف فعلا ما حدث… لا يعرف حجم المآسي إلا من كادت المصيبة تحول قلبه إلى صخر قاسي، بل تجعله لا يفرق بين الفضيلة والمعاصي… يفقد صوابه من رأى ذهاب الأصول والفروع وكل قريب وغريب… ورأى بأم عينه كل شيء يدك دكا… كل ما حوله ينهار… يرى الطوفان يجرف الناس والأموال جرفا… يرى أبناء المدينة يغطسون في ذلك اليم القادم من الشرق… يرمون بأنفسهم فيه محاولبن إنقاذ غيرهم من يم حول البشر إلى أشياء وحول المدينة إلى أشلاء… تسونامي أتى من البر وجرف كل شيء في طريقه إلى البحر… يم غمر المدينة العتيقة وقر حول المياه العالقة في الشوارع والطرقات إلى جليد… شل المدينة… المطر القادم من السماء، تلك القطرات التي كنا نستجديها كل سنة منذ سنوات… نتمنى هطولها… قطرات نزلت… هطلت إلى أن ملئت وادي الشعبة الذي يفصل شمال المدينة عن جنوبها والذي يثيرك حجمه : عرضه يتجاوز مائة متر وعمقه أكبر ولا شك… لكن القدامى غيروا مجراه… فتم بناء مسار له إلى جانب السور الجنوبي للمدينة… قناة أضيق لا يتجاوز عمقها 5 أمتار ولا يفوق عرضها 4 أمتار… قناة جرفت إلى مخرجها أمواج المحيط كبريات الصخور الاصطناعية… خنق المحيط مجرى الوادي خنقا، تماما كما خنق الإهمال أغلب قنوات صرف مياه الأمطار في المدينة التي تركت وحيدة أمام الأقدار… تحول محيط المدينة العتيقة إلى يم قاتم… يم قاتل… يم ارتفع أزيد من 3 أمتار غمر باب الشعبة… غمر سوق باب الشعبة… يم من موجة واحدة… يم ذهب ببعض من أهالينا وبأموالهم إلى المحيط… كسر كل شيء… حطم كل شيء… حطم سور الميناء… كسر عنفوان أكبر ميناء للسردين في العالم… يم شق طريقه عبر بابه الأصلي إلى المحيط… يم جرف السور الذي يفصل المدينة عن شاطئها الأصلي (شاطيء المريسة)… يم فتك بالبلاد… يم فتك بالعباد… يم يأتي مرة أو مرتين في القرن… لكنه أتى هذه المرة بعد 98 سنة… عاد إلى عادته… عاد إلى مجراه… عاد ليذكر كل الناس في العالم أن آسفي مدينة منسية… مدينة جريحة… مدينة لا تستجدي الآخرين… غناها في ناسها كما قلت سابقا… غناها في أهاليها… أهاليها ومحبوها فعلا غضبوا… حان غضبهم بعد أن رأوا أن كل بارقة أمل في تطور مدينتهم لا تكاد تظهر حتى تخبو… مل سكان مدينة “خوت بلا حوت” من المكر والخداع… سئموا من كل ما يصيب مدينتهم، ليس هناك أعز عليهم من مدينتهم… كانوا يرون كيف تكالبت عليها الأقدار… يرون كيف ركب موجة الانتهازية كل “شفار”… عبروا عن غضبهم بصدق ودون روية… فقد بلغ السيل الزبى… صمت مريب… غياب عجيب… الأهالي تدفن موتاها… تبحث عن مفقوديها… تداوى جراحها… تنظم نفسها بنفسها… تتضامن مع أهاليها… أكثر الغاضبين غضبا فوضوا أمرهم لخالقهم… ظل آخرون يتحدثون… يتحدثون ويتهمون… ليس في كلامهم زخارف ولا مساحيق… الحقيقة العارية… الحقيقة وحدها ولا شيء غيرها كما يروها… وفي الأيام العصيبة يكون وجه الأبطال باديا للعيان : تعليمات مولوية شريفة للحكومة كي تتخذ ما يلزم وتوهج غير مسبوق لابن آسفي في كأس العرب… أهدى، كما فعل باقي لاعبو المنتخب، للأهالي في آسفي الدعم، ثم أهداهم الكأس… كأس كل العرب… وإن بلغ السيل الزبى، رفع السيل نفسه إلى العلا آسفي… آسفي مدينتي… موطني، موطن أهلي وناسي… فيها بيتي وكل بيت فيها بيتي… آسفي لك أنا وغيري لأن فيك دائما رونق للقلوب يشفي…

هيئة التحرير20 ديسمبر، 2025

إقرأ الخبر من مصدره