مشرط الجدية ومخاطر التفاهة: قراءة جيوسياسية في خرجات محمد أوزين

Écrit par

dans

عبد الحي السملالي

تُظهر الخرجات الأخيرة لمحمد أوزين في البرلمان، وما أعقبها من نشر نص بعنوان «مِشرط الجدية لاستئصال أورام التفاهة»، أن السجال الدائر حول “التفاهة” في المغرب لم يعد مجرد نقاش أخلاقي أو ثقافي، بل تحوّل إلى قضية ذات أبعاد جيوسياسية، تتقاطع فيها عناصر الإعلام والسياسة والأمن الثقافي والرقمي. فالخطاب الذي يقدمه أوزين يندرج ضمن موجة عالمية أوسع، حيث أصبحت السيادة على الفضاء العمومي إحدى ساحات الصراع، سواء بين الدول أو بين الفاعلين التقليديين والجدد في صناعة الرأي العام.

من التفاهة إلى الأمن الثقافي: حين يصبح . 1 المحتوى الرقمي تهديداً استراتيجياً

يشير أوزين إلى أن “التفاهة” لم تعد مجرد انحراف ذوقي، بل غدت أداة لهدم الأسرة والتعليم والقدوات. وهذه الثلاثية ليست اعتباطية، إذ تمثل في الأدبيات الجيوسياسية ركائز الأمن الثقافي لأي دولة:

الأسرة: وحدة الاستقرار الاجتماعي.
التعليم: مصنع النخب وحاضنة قيم المواطنة.
القدوات: حوامل الهوية والرمزية الجماعية.

وحين يربط أوزين بين التفاهة وهذه الركائز، فهو يلمّح إلى أن ما يجري في الفضاء الرقمي ليس بريئاً، بل قد يكون جزءاً من حالة هشاشة استراتيجية تتعرض لها المجتمعات في زمن المنصات العابرة

2. صعود المؤثرين: فاعلون بلا ولاء جغرافي

يشير النص إلى فئة “المؤثرين” الذين يقتحمون البيوت عبر الشاشات، ويصنعون محتوى سريع الانتشار (البوز)، ويجنون الأرباح من الإعلانات. غير أن وراء هذا الوصف الأخلاقي إشكالية جيوسياسية أعمق، تتمثل في أن:

هؤلاء الفاعلين لا يخضعون بالضرورة لمنطق الدولة الوطنية ولا لسياساتها الثقافية.
ولاءهم الاقتصادي مرتبط بمنصات رقمية عالمية.
تأثيرهم يتجاوز آليات الرقابة التقليدية.
قدرتهم على تشكيل الرأي العام تفوق أحياناً قدرة الوسائط الإعلامية المهنية المؤطَّرة.
وبهذا المعنى، يصبح “المؤثر” فاعلاً جيوسياسياً غير تقليدي، يصعب ضبطه، ويعمل داخل فضاء تتحكم فيه شركات عالمية لا تخضع لسيادة الدولة.

3. المجلس الوطني للصحافة: صراع على سلطة التأطير والتوجيه

حين يتهم أوزين بعض الفاعلين بالسعي إلى “الهيمنة على مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة”، فإنه يشير إلى معركة حول من يملك حق تعريف المعايير وصياغة الخطاب داخل الفضاء العمومي. وفي الجيوسياسة الحديثة، تُسمّى هذه المعركة:

السيادة المعلوماتية (Information Sovereignty)، وتعني قدرة الدولة على:

ضبط تدفق المعلومات،
حماية الفضاء العمومي من التأثيرات المشتتة أو الهدّامة،
منع الفاعلين غير الرسميين من احتكار سلطة التأثير وصناعة الرأي.

وبالتالي، فإن الصراع حول المجلس الوطني للصحافة، كما يقدمه أوزين، ليس مجرد خلاف مهني، بل هو صراع على مفاتيح الشرعية الإعلامية والإطار المعياري للخطاب العام.

4. خطاب الحدية: محاولك لإعادة هندسة المجال العمومي

حين يستند أوزين إلى خطاب الجدية الملكي، فإنه يربط معركته بسردية دولة تسعى إلى:

ضبط الفوضى الرقمية والرمزية،
حماية الصورة الذهنية للمجتمع والمؤسسات،
إعادة الاعتبار للقيم الجمعية وللإنتاج المعرفي الجاد،
مواجهة الانحرافات التي تهدد التماسك الاجتماعي والنسيج القيمي.
هذا الربط يمنح خطابه شرعية سيادية، ويحوّل السجال من مستوى النقد الفردي أو الثقافي إلى مستوى يرتبط بالأمن القومي الناعم (Soft Security).

5. “الكراطة” كرمز: من أداة تنظيف إلى استعارة سياسية

تحويل “الكراطة” إلى رمز تطهيري ليس مجرد سخرية سياسية، بل هو استعارة سيادية تعبّر عن:

تنظيف الفضاء العمومي من المحتوى الهابط،
إزالة التشويش الرمزي والفكري،
استعادة معايير الذوق العام والخطاب المسؤول،
مواجهة ما يمكن تسميته “التلوث الرمزي”.
وفي الجيوسياسة الثقافية، تُعدّ هذه الرموز أدوات لإعادة بناء الهيمنة الرمزية للدولة داخل فضاء بات مفتوحاً على مختلف أشكال التأثير الخارجي.

6. المخاطر الجيوسياسية التي يكشفها النص

يمكن تلخيص المخاطر التي يلمّح إليها أوزين في أربعة مستويات:

أولاً: خطر التفكك القيمي

حين تصبح التفاهة نموذجاً سائداً ومكافَأً، تتآكل البنى الرمزية والقيمية التي تحفظ تماسك المجتمع وهويته.

ثانياً: خطر فقدان السيادة الرقمية

حيث تتحكم المنصات الأجنبية في:

الخوارزميات التي تحدد ما يراه المواطن،
تدفقات الأرباح الإعلانية،
آليات الانتشار والشعبية،
مما يخلق تبعية خطيرة للسياسات والاهتمامات التجارية الخارجية.
ثالثاً: خطر تآكل الإعلام المهني

فإذا فقدت الصحافة والمؤسسات الإعلامية المهنية مكانتها وقدرتها على التأطير، تفقد الدولة إحدى أهم أدواتها في:

تنظيم الحوار العام،
التنوير وبناء المعرفة،
صناعة إجماع وطني حول القضايا الأساسية.
رابعاً: خطر اختراق المجال العمومي

إذ إن كل فراغ أو ضعف تتركه الدولة في التأطير والتوجيه، يملؤه فاعلون غير خاضعين لضوابط المصلحة العامة أو مقتضيات الأمن القومي.

الخلاصة: خطاب أوزين ليس سجالاً عابراً… بل إنذار استباقي

تكشف القراءة الجيوسياسية للنص أن أوزين لا يرد فقط على ظاهرة “التفاهة”، بل يطلق إنذاراً سيادياً حول مستقبل الفضاء العمومي في المغرب في العصر الرقمي. إنها معركة تتعلق بجوهر السيادة:

من يملك سلطة التأثير والتوجيه؟
من يحدد القيم السائدة والمعايير؟
من يصنع الرأي العام ويؤطر المخيال الجماعي؟
ومن يحمي النسيج المجتمعي من التفكك القيمي والرمزي؟
وبذلك، تتحول “الجدية” من قيمة أخلاقية فردية إلى مشروع سيادي جماعي، وتتحول “الكراطة” من أداة تنظيف مادي إلى رمز لمعركة جيوسياسية ناعمة، تدور رحاها داخل العقول عبر الهواتف والشاشات.

إقرأ الخبر من مصدره