
ذ: المنتصر السويني
(نخب وزارية قادرة ومتمكنة تعبد الطريق فعليا للمغرب الصاعد وليس نخب وزارية تنسب عجزها وفشلها الى الدولة العميقة واللوبي الإداري والتماسيح والعفاريت)
في كتابه –ما بعد الديمقراطية-يؤكد الأستاذ والباحث الفرنسي ايمانويل طود-ان الديمقراطية لا يمكنها أن تستغني عن النخب وبأن ما يميز الديمقراطية عن الشعبوية هو الحضور القوي للنخب-، لهذا يحتاج بناء المغرب الصاعد الى نخب نوعية نخب تملك رؤوس مكونة بشكل جيد، نخب الملفات نخب التحليل نخب الحساب نخب النتائج نخب تتقن لغة التواصل وقادرة على بناء المغرب الصاعد وفي نفس الوقت نخب قادرة على اقناع الجموع وقادرة على مواجهة الشعوبيين.
بناء المغرب الصاعد يحتاج الى نوعية جديدة مما يطلق عليها النخب الأولى والنخب الأسمى كما سماها السياسي الفرنسي ميشيل دوبري أي النخب الوزارية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
بناء المغرب الصاعد يطرح من جهة أخرى السؤال المتعلق بنوعية النخب الوزارية التي يحتاجها المغرب في المرحلة القادمة، مع العلم ان تحديد نوعية هذه النخب يبقى مرتبط بتحديد نوعية المشاكل التي يعيشها مغرب اليوم ومغرب المستقبل ،وهنا وجبت الإشارة إلى الاختلاف الكبير في تحديد نوعية المشاكل التي يعيشها مغرب اليوم ، بين جزء من الطبقة السياسية والجزء الأكبر من الاعلام الرقمي ،والذي يعتبر ان مشاكل مغرب اليوم هي نفس المشاكل التي عرفها المغرب ما بعد الاستقلال والتي تتركز جلها في مربع الشرعية المؤسساتية ومربع اقتسام السلطة ، بينما يرى المواطن المغربي ان المشاكل التي يعرفها مغرب اليوم هي ليست مشاكل مرتبطة بمربع الشرعية المؤسساتية بل هي مشاكل مرتبطة بمربع الشرعية الشعبية ونوعية السياسات العمومية التي يقدمها مغرب المؤسسات للمواطن وبنوعية الخدمات والأثر الذي تتركه هذه السياسات على المواطنين والمرتفقين .
علم التدبير الحديث ومنذ سنة 2018،لم يعد يتحدث عن التدبير من خلال النتائج بل صار يستعمل مصطلح الكيلومتر الأخير (وهو مصطلح استعمله أصحاب التجارة الرقمية للتعبير عن المشاكل المرتبطة بالوصول الى الزبون)، وبالتالي فان اول شيء مطلوب من النخب الوزارية القادمة، ان تكون نخب تثبت للمواطن المغربي انها نخب أنجزت بنجاح الانتقال من مربع الكيلومتر الأول وهو المربع المرتبط بمربع المشروعية المؤسساتية ومربع اقتسام السلطة ، الى مربع -الكيلومتر الأخير-وهو المربع المرتبط بالمواطن والاثر الذي تتركه السياسات العمومية على مستوى عيشه .
تحديد طبيعة المشاكل التي يعيشها مغرب اليوم باعتبارها مشاكل مرتبطة بالكيلومتر الأخير، تفرض على العقل الرسمي المغربي الاقتناع بان النخب التي من المفروض ان تفرزها الاستحقاقات القادمة (على المستوى الحكومي)لا تتطلب فقط تغييرا يمس أشخاص النخب الوزارية فقط ، بل تتطلب الشجاعة في البحث عن نخب وزارية جديدة بحقيبة أفكار جديدة وعقليات جديدة وبالتالي التركيز على تغيير يمس العقل الوزاري الذي يحكم والعقل الوزاري الذي يفكر والعقل الوزاري الذي يقرر والعقل الوزاري الذي يقيم ،مونتسكيو أكد على ذلك منذ القدم ،عندما قال-كل نظام يعتمد على عقل عام ومجموعة من المعتقدات والعادات ،والاعتقادات الجماعية التي تمكن من جعله قادر على الحياة-.
مما يعني أن بناء المغرب الصاعد الذي ينشده المغاربة لا يتطلب فقط تغيير الأشخاص التي تؤثث المشهد الحكومي بل يتطلب أكثر من ذلك، يتطلب امتلاك الإرادة والشجاعة للانتقال من مربع النخب الوزارية التي ميزت المغرب القديم الى مربع النخب الوزارية التي يتطلبها بناء المغرب الصاعد.
أولا) -المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية جديدة تمتلك ثقافة تدبيرية جديدة
النخب الوزارية التي يحتاجها المغرب الصاعد عليها ان تدرك انها دستوريا هي نخب التنفيذ (الحكومة -الإدارة) وبالتالي تعتبر النخب المسؤولة عن النتائج وعن الأثر الذي تتركه السياسات العمومية على المواطنين ، مما يعني أنها المسؤولة الفعلية عن نقل السياسات العمومية من الكيلومتر الأول وهو كيلومتر المؤسسات (المؤسسة الملكية-البرلمان -المؤسسة الحكومية) الى مربع الكيلومتر الأخير وهو مربع المواطنين وبالتالي مربع النتائج والأثر وهو المربع الأهم والمربع الأساس بالنسبة لمغرب المواطنين .
المغرب الصاعد يفرض على الطبقة السياسية المغربية ليس فقط العمل على تجديد نخبها في افق استحقاقات 2026، من خلال استبدال الوجوه القديمة بوجوه جديدة ، بل يفرض عليها ترشيح نخب وزارية تمتلك عقلية تدبيرية حداثية وتمتلك قيم وأفكار جديدة (الفعالية-المردودية-التقييم-ثقافة النتائج وثقافة الأثر وثقافة دولة الجهوية المتقدمة وثقافة القرب ).
المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية بعقل جديد وحقيبة أفكار جديدة تمكنها من النجاح في تنزيل خريطة الطريق المرتبطة بالكيلومتر الأخير. مما يعني ان المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية تخضع لقانون الجاذبية (نيوتن) أي نخب تنزل من برجها العاجي الى الواقع على الأرض عند المواطنين من خلال القدرة على الانتقال من البرنامج الحكومي العمومي الى ما أطلق عليه علم التدبير الحديث -برنامج أدوات ووسائل الحياة اليومية للمواطنين –أي اين يمس فعليا البرنامج الحكومي الحياة اليومية للمواطنين بشكل دقيق ومفصل؟ وكيف؟ وماهي النتائج المتوقعة؟.
الاشتغال من داخل مربع الكيلومتر الأخير يتطلب نظرة جديدة للمبدئ الدستوري المتعلق ب-استمرارية المرفق العمومي – خصوصا بعد ان اكدت احتجاجات الشارع التي قادها المواطن المرتفق ، أن استمرارية المرفق لا تتمثل في وجود مدارس ومستشفيات مفتوحة لتقديم الخدمات ،بل يتطلب ان تقدم هذه المدارس والمستشفيات خدمات مستمرة ونوعية وفعالة للمواطنين ، لهذا طالب المواطن المرتفق ضمنيا بنخب وزارية جديدة ،قادرة على إعادة ربط المبدئ الدستوري المتعلق باستمرارية المرفق العمومي بمبدئ التدبير الحديث المرتبط بفعالية الفعل العمومي .
كما ان فعالية الفعل العمومي كانت تتطلب تفسير جديد لمفهوم القيام بالواجب المطلوب من الموظفين العموميين، من خلال إدماج أولوية خدمة المرتفقين بشكل خاص والمواطنين بشكل عام، وفي حالة العكس تحريك المسطرة التأديبية ،مما يعني إعادة توجيه عقل الإدارة المغربية الذي ينظر الى الأعلى أي الى المؤسسات من خلال احترام الأمر الرئاسي ،الى عقل اداري ينظر الى تحت أي الى المواطنين وخدمتهم والتواجد المستمر بالقرب منهم (احتجاجات اكادير وتطوان على الخدمات المقدمة للمواطن المرتفق وغياب الأطر العامة وغياب التجهيزات) .
كما ان بناء المغرب الصاعد يتطلب كذلك تنزيل الفقرة الأخيرة من الفصل الأول من الدستور والتي تنص على ان التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، مما يفرض على النخب الوزارية القادمة ان تمتلك عقلا قانونيا مرنا يسهل عملية تنزيل السياسات العمومية المرتبطة بزمن الكيلومتر الأخير أي عقلا قانونيا يدمج فكرة الطوارئ واللحظوية والفئوية والجغرافية بدل العقل القانوني للدولة المركزية وبالتالي عقلا قانونيا صاعدا مرتبط بالمواطنين وليس عقلا قانونيا نازل أي عقل قانوني مرتبط بالمؤسسات السياسية (الذي يهمل دراسة الأثر) .
ثانيا) -تعزيز النخب الوزارية التي يتطلبها بناء المغرب الصاعد تتطلب التنزيل الفعلي لمؤسسة الوزير الجماعي (الوزير-الديوان)
تؤكد المادة التاسعة والعشرين من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير اشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها على ان كل عضو من أعضاء الحكومة يتوفر على ديوان خاص ،يختار أعضاءه من الأشخاص الذين تتوافر فيهم الكفاءة والخبرة والنزاهة وتناط بهم مهمة القيام لحساب الحكومة بالدراسات وتسوية المسائل التي تكتسي طابعا سياسيا أو خاصا ، مما يثبت ان المغرب قد جدد التأكيد على ان منصب الوزير هو منصب جماعي يتشكل من الوزير بالإضافة الى أعضاء ديوانه ،أستاذ القانون بالجامعات الفرنسية -جاي كاركسون-،سيؤكد أن مهمة الوزير لا يمكن ابدا ان تكون مهمة فردية ،ولا وجود لوزير الا كوزير جماعي وبالتالي فان الوزير هو دائما مؤسسة جماعية .
المشكلة الكبيرة للوزراء بالمغرب انهم في غالبيتهم وزراء فرديين ويرفضون بالتالي الاشتغال ضمن مربع الوزراء الجماعيين، بالإضافة الى كونهم وزراء عموديين ولا يستطيعون الانتقال الى مربع الوزراء الأفقيين.
النخب الوزارية من المفروض ان تكون نخب استراتيجية تضيء الظلمات تعمل على تدوير الزوايا تصنع الاتفاقات، الفيلسوف ديكارت سيؤكد ان النظام يفرض من خلال العقل، اعتبار منصب الوزير كمؤسسة جماعية يعني انها تشتغل من خلال -نحن- وليس -الانا- وبالتالي فان ترسيخ الحكامة الوزارية الجماعية تعد شرطا اساسيا لامتلاك القدرة على تقريب المسافات ما بين النية والفعل والهدف.
العقل الدستوري المغربي من خلال الدستور والقانون التنظيمي أراد خلق الوزير الجماعي من اجل منحه قوة على مستوى التصور والتفكير، قبل الانتقال الى مرحلة التنفيذ وفي هذه المرحلة وضع العقل التنظيمي المغربي هيكلة تنظيمية عمودية مفروض فيها الانضباط وتنفيذ الأوامر لخدمة المصلحة العامة .
الحكومات التي جاءت ما بعد دستور 2011، كانت كلها تملك ثقافة عمودية وكانت عاجزة عن الانتقال الى مربع الاشتغال من داخل الثقافة الافقية وثقافة الشبكات ،وبالتالي كانت تفضل الاشتغال من داخل الهيكلة المكونة من (الوزير-الكاتب العام-المدير -رئيس القسم-رئيس المصلحة)، والدليل على ذلك ان هذه الحكومات لم تهتم اطلاقا بإخراج النص التنظيمي المنصوص عليه في الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة التاسعة والعشرين من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها والتي تنص على -يحدد بنص تنظيمي تأليف دواوين أعضاء الحكومة والمهام المنوطة بهم والالتزامات الملقاة على عاتقهم والمعايير المعتمدة لاختيارهم والمنافع الممنوحة لهم من خلال مزاولة مهامهم(واستمرت في الاعتماد على النص المعتمد قبل دستور 2011).
مما يعني أن بناء المغرب الصاعد يتطلب عاجلا تعزيز وتفعيل منصب الوزير من خلال تعزيز وتفعيل موقع الوزير الجماعي، من خلال اصدار المرسوم المتعلق بتشكيل الدواوين ونوعية الأشخاص المطلوبين والذين من المفروض ان يرسخوا سمو المنصب الوزاري وان يؤخذوا بعين الاعتبار عالم الذكاء الاصطناعي وشروط بناء المغرب الصاعد.
بناء المغرب الصاعد لا يفرض على النخب الوزارية القادمة ان تكون نخب تشتغل من داخل مربع الوزير باعتباره مؤسسة جماعية بل المطلوب منها كذلك ان تعمل على نقل الهيكلة الوزارية العمودية الى هيكلة وزارية اقرب الى العمل الجماعي من خلال خلق المزيد من المناصب الافقية بدل التركيز على تعزيز بنية الهيكلة العمودية المرتبطة بالمغرب القديم .
ابان ازمة المديونية وسياسة التقويم الهيكلي عمد الملك الراحل الحسن الثاني الى خلق هيئة المكلفين بالدراسات للمساعدة على تجويد التصور والتفكير الخاص بعقل الوزارات وذلك سنة 1983 ، وفي سنة 2016اصدرت الحكومة المغربية مرسوما يتعلق بتوظيف من خلال عقود خبراء لإنجاز مشاريع او دراسات او تقديم استشارات او خبرات او القيام بمهام محددة يتعذر القيام بها من قبل الإدارة بإمكاناتها الذاتية(للأسف لم يرى ولم يسمع المغاربة اية إضافة قدمها هؤلاء الخبراء في مغرب الأزمات، كوفيد ازمة التعليم والصحة ،ازمة فاس ،وأزمة، اسفي ولم يترك هؤلاء الخبراء اية بصمة نوعية على أداء الوزارات بالمغرب ما بعد 2016).
بينما كان المطلوب امتلاك تصور أولا عن المهام التي مطلوب من الدواوين القيام بها في القرن الواحد والعشرين وبعد ذلك العمل على إصدار النص الخاص بالدواوين الوزارية والعمل في مرحلة لاحقة على تحديث جذري للنص المتعلق بالمكلفين بالدراسات بعد تقييم العمل المنجز من طرفهم والقيام بنفس الشيء بالنسبة للنص المتعلق بالخبراء.
بناء المغرب الصاعد في عصر الذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي يفرض لزاما على النخب الوزارية القادمة التفكير بشكل جدي في الاعتماد على نوعية جديدة من التراتبية الإدارية (خلية الأفكار الجديدة-مكلف بالبحث -مكلف بمهمة -المطورين-مدراء المشاريع-المكلفين بالشراء الرقمي -المصممين،…)كما هو معمول به في التجارب الدولية الرائدة ، تميل في اشتغالها اكثر الى مربع الثقافة الافقية وقادرة على خلق الجسور للانتقال الى العالم الجديد والمغرب الصاعد ، من اجل اغلاق الباب امام المغرب القديم وتراتبيته النوعية الإدارية (المتصرفين-المهندسين -التقنيين-أعوان اداريين -أعوان تقنيين) الموروثة عن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ومرحلة ما بعد الاستقلال ،عالم الوزارة القديمة بتنظيمها العمودي الذي يخنق الابداع والتفكير والاستقلالية .
ثالثا)ترسيخ المغرب الصاعد يتطلب الاعتماد على نخب وزارية قادرة على تفعيل اليد المعلومة الوزارية في مواجهة اليد الخفية للإدارة
المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية في مستوى-سمو المنصب الوزاري -،سمو المنصب الوزاري بمعنى سمو الأفكار التي يمتلكها هذا العقل وسمو الحلول و سمو الأهداف لأن النخب الوزارية ليس مطلوب منها فقط التوفر على سلطة سياسية تمكنها من الانتصار على جمود البيروقراطية الإدارية ،بل عليها كذلك ان تثبت انها قادرة على فرض خريطة الطريق الخاصة بها ،لان الحكامة الوزارية هي شيء معقد ويتطلب تقنية عالية وتجربة طويلة والمام كبير بالتجارب الدولية .
النخب الوزارية مطلوب منها التوفر على كفاءة عالية وامتلاك القدرة على الفهم السريع والقدرة على الحكم والقرار والقدرة على تقييم المشاكل واقتراح الحلول، والقدرة على الابداع من خلال ملكات القول(بدل وزراء الشفوي ووزراء الصراخ والسب والوزراء الذين يختبئون في مكاتبهم) ووضوح التعبير والقدرة على التواصل ،خصوصا وان الوزير لا يتوفر على الوقت الكافي ولا على التجربة المطلوبة من اجل ترك بصمته ولو على جزء صغير مما يهيئ وينفذ باسمه وتحت مسؤوليته داخل الوزارة، وبالتالي من المفروض على النخب الوزارية ان تمتلك القدرة على جعل الاخرين ينفذون بشكل جيد وبشكل نوعي البرنامج الحكومي .
مباشرة بعد تعيينها في المناصب الوزارية وانتقالها من المربع السياسي الى المربع الإداري، يحدث اللقاء الأول بين الوزير الجماعي (لهذا من المستحب ان يكون الوزير مصحوبا بديوانه المشكل من العنصر البشري ذو الوزن الثقيل) واللوبي الإداري الذي يشتغل بالوزارة والمكون من نخب إدارية متمرسة وتملك جذور قوية داخل التنظيمات الوزارية، هذه النخب الإدارية ستحكم على نوعية النخب الوزارية من خلال طبيعة ونوعية اللقاء الأول .
لهذا يعتبر اللقاء الأول ، لقاء مهم وحاسم في العلاقة التي ستطبع المستوى السياسي والمستوى الإداري بالوزارة ، فريديرك لالو الخبير في علم التدبير والمتعاون السابق مع شركة ماكنيزي سيؤكد ان القاعدة العامة تؤكد ان مستوى وعي التنظيمات لا يمكن ان يتجاوز مستوى وعي قائدها ، وبالتالي فان أول رد فعل للوبي الإداري العامل بالوزارة هو العمل على ضبط مستوى تفكيره ومستوى أدائه تحت سقف مستوى وأداء الوزير كمؤسسة جماعية.
مما يثبت أن الفكرة التي سوقها السوسيولوجي الألماني ماكس فبير من ان الحكومة تقرر والإدارة تنفذ والتي عمل المشرع الدستوري المغربي على تبنيها في الفصل التاسع والثمانون من الدستور من خلال صيغة (تعمل الحكومة تحت سلطة رئيسها ،على تنفيذ البرنامج الحكومي و على ضمان تنفيذ القوانين والإدارة موضوع رهن تصرفها) ، هي فكرة صعبة التطبيق في الواقع، وتفترض لإمكانية تطبيقها وجود نخب وزارية نوعية تمتلك التكوين الاكاديمي وتمتلك تجربة كبيرة ومتمرسة على تدبير التعقيد لأنه عكس ذلك سيتحول الفصل التاسع والثمانون من الدستور الى (تعمل النخب الإدارية على تنفيذ البرنامج الحكومي وتنفيذ القوانين والحكومة موضوعة رهن تصرفها).
النخب الوزارية العادية والنخب الوزارية الضعيفة هي نخب تقف عاجزة امام اللوبي الإداري وامام السوق من خلال صفقات الدراسات حيث تدبر الوزارة فعليا من طرف النخب الإدارية ومكاتب الدراسات وبعد خروج هذه النخب من مربع المسؤولية الوزارية بحصيلة سلبية وغير مشرفة تتحجج بانها واجهت التماسيح والعفاريت والدولة العميقة واللوبي الإداري لتبرير عجزها وفشلها .
عندما نجح فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية الفرنسية سنة 1981، اقدم على تعيين لجنة من اجل دراسة تحديث الدولة ، وقد اكدت هذه الدراسة أن هناك يد خفية داخل الإدارة(ولم تتحجج هذه الدراسة بوجود العفاريت والتماسيح والدولة العميقة ومقاومة الإدارة) تتكون من المكاتب الإدارية ومحرري المشاريع و التقنيين تعمل من خلال مجموعة من الإجراءات (نفس المكاتب هي التي تهيء مشاريع النصوص القانونية وتقدمها للسلطة المخولة من الدستور بسلطة القرار ،مما يوضح ان المشرع اليوم تم نزع سلاحه من طرف التقنيين – وحتى اذا مررت السلطة السياسية مقتضيات ضد إرادة اليد الخفية ،فان هذه الأخيرة تعمل على تطبيق جزئي للقانون ، وتعمد الى ممارسات إدارية تستهدف التعطيل او الالتفاف على الحلول- توقيف عقارب الساعة السياسية والإدارية من خلال فرملة الأداء عن المرحلة السابقة- تعمل على مضاعفة عدد الملفات المرتبطة بالنزاعات -اغراق النخب الوزارية بالملفات التافهة مع حجب الملفات المهمة والاساسية للوزارة-توتير العلاقة مع المواطنين والمرتفقين ) هذه اليد الخفية اقترح التقرير مواجهتها من خلال تعزيز اليد المعلومة القوية (تشريع النصوص او تحديثها من اجل ترسيخ التوازن ما بين الإدارة والمواطنين -تفعيل المسؤولية الشخصية لموظفي الدولة -إعادة الثقة في نوعية من المسؤولين الحكماء والنزهاء-الابداع من خلال ابتكار نوع جديد من التنظيم للنشاط الإداري بشكل عاجل )، وبالتالي اوصت اللجنة بضرورة وضع اللوبي الإداري تحت ضغط الفعالية وضغط تلبية مطالب المرتفقين من خلال الحضور وجودة الخدمات وفي حالة العكس تفعيل المسؤولية الشخصية للوبي الإداري .
كما ان اللجنة دعت الوزير الى تقوية اليد المعلومة للوزراء والمكونة من الوزير السياسي والديوان المحترف والذي يضم شخصيات الوزن الثقيل والخبراء من اجل توفير الإمكانات الأولوية لمواجهة اليد الخفية للإدارة ودمجها في استراتيجية النخب الوزارية (يحكي احد الإداريين المغاربة المحال على التقاعد والذي اشتغل الى جانب مجموعة من الوزراء، ان واحد منهم فقط حسب رأيه كان وزيرا خبيرا ويملك رأسا مكونة بشكل جيد ومحاط بديوان وازن ونوعي ،مما مكنه من جعل الإدارة في خدمة الاجندة الوزارية وليس العكس وهو المرحوم مزيان بلفقيه).
رابعا)-المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية تملك جسد واحد وليس جسدين (الجسد الرسمي والعلني الذي من المفروض ان يخدم المصلحة العامة والجسد الغير الرسمي والمخفي الذي يخدم المصالح الشخصية والمصالح الفئوية ومصالح الرأسمال ).
الباحث ميشيل فوكو سيؤكد ان السلطة تحمل في طياتها الوجهين، الوجه الرسمي والوجه الغير رسمي ،الوجه الرسمي للنخب الوزارية هو الوجه الذي يشتغل تحت سقف المضلة القانونية والشرعية والمصلحة العامة والفعالية والنتائج ، والوجه الغير الرسمي للنخب الوزارية هو الوجه الذي يشتغل خدمة للمصالح المخفية والغير شرعية والتي لا تخدم المصلحة العامة وبالتالي فان النخب الوزارية قد تجد نفسها موزعة بين وجهتين متناقضتين.
وهنا نستحضر نظرية ارنست كانتوروفيتش حول توفر الملكية في اوروبا على جسدين ، جسد مادي (الشخص) وجسد رمزي (الدولة أو الأمة)، الباحث الفرنسي ليك بولتونسكي سيطبق هذه النظرية كذلك على شخصيات السلطة ومنهم الشخصيات الحكومية وسيستنتج ان الشخصيات الوزارية هي كذلك تمتلك الجسدين ،جسد الوزير العلني والشرعي والقانوني وجسد الوزير المخفي والغير العلني والغير الشرعي ، وبالتالي فان النخب الوزارية لا تمتلك فقط الجسد الشرعي المحدد في الوثيقة الدستورية والقوانين والمراسيم بل وكذلك جسد خارج المضلة القانونية .
مقاومة الجسد الغير العلني والغير الشرعي والغير القانوني ابتكر له القانونيين مفهوم -تضارب المصالح – ، والتي مفادها ان النخب الوزارية التي تمتلك مهمة رسمية محددة هدفها خدمة المصلحة العامة ،تحتل في مواقع أخرى عالم الاقتصاد والمال وعالم المصالح وحتى عالم الفساد موقع غير رسمي تمتلك فيه مصالح خاصة مرتبطة بالمصلحة الشخصية او مرتبطة بخدمة مصالح فئوية وزبونية غير مرتبطة بالمصلحة العامة وقد يتفوق الجسد الوزاري الغير رسمي على الجسد الوزاري الرسمي والذي يخدم المصلحة العامة ،والخطر الكبير يتمثل في إمكانية تحول الجسد الرسمي والشرعي والقانوني إلى خدمة الجسد الغير الشرعي والغير القانوني والمخفي وهنا تكمن الخطورة الكبرى التي تجعل النخب الحكومية في خدمة المصالح الخاصة بدل خدمة المصلحة العامة ،بينما المفروض ان يخدم الجسد الغير الرسمي والغير العلني للنخبة الوزارية الجسد الوزاري العلني والذي يكون في خدمة المصلحة العامة .
(وهنا وجب التأكيد، ان القوة السياسية التي تصدرت انتخابات ما بعد دستور 2011، توفرت لها كل الظروف لبناء ركائز الدولة القانونية التي تكبل جسد السلطة(النخب الوزارية) الغير الرسمي والغير القانوني من خلال اشرافها على تنزيل دستور 2011 وقوانينه التنظيمية وترسانته القانونية ولكنها افتقدت للقدرة والإرادة النوعية لترسيخ الانتقال من مربع القوة الشعبية الى مربع القوة الفكرية القوية القادرة على التنزيل القانوني الفعلي للدستور2011).
الخلاصة
النخب الوزارية التي يفرضها المغرب الصاعد هي نخب وزارية تملك طرق جديدة للفعل السياسي وقادرة على تحويل الفعل السياسي من مربع الكيلومتر الأول الى مربع الفعالية والكيلومتر الأخير .النخب الوزارية التي يتطلبها تنزيل وبناء المغرب الصاعد هي نخب بحقيبة أفكار جديدة ، تركز قوتها على أفكار واضحة وتركز جهودها كذلك على تنفيذ أهداف محددة مرتبطة بالكيلومتر الأخير ومن خلال ذلك فقط قد يستطيع الوزير الفعلي والحقيقي مواجهة اللوبي الإداري الذي يتقن ببراعة خنق النخب الوزارية من خلال اشغالهم بالملفات والاهداف التافهة حتى يوهمهم بانهم يحكمون وزارتهم فعليا ولا يستشعرون ذلك الا بعد مغادرتهم الوزارة وعند ذلك يتحججون بأنهم واجهوا الدولة العميقة واللوبي الإداري والتماسيح والعفاريت ، ولكن الحقيقة المرة هو ما سبق واكد عليه احد الحكماء القدامى عندما قال -كنت اظن انني اواجه عدوا حقيقيا ،ولكن اتضح لي في الأخير ان العدو كان هو انا -العاجز والفاشل- .
باحث في العلوم السياسية والمالية العامة
إقرأ الخبر من مصدره