إنها كرة القدم.. وكفى

Écrit par

dans

عثمان بن شقرون

تسقط كل النظريات وتتحطم التفسيرات الرصينة عند عتبة المستطيل الأخضر؛ فثمة حقيقة ترفض الانصياع للمنطق. وحين تُقال عبارة «إنها كرة القدم وكفى»، فهي لا تهدف إلى التبسيط، بل تُعلن عجز الخطاب عن احتواء ما لا يُحتوى.

إنها كرة القدم التي تنفلت من كل جهاز مفاهيمي جاهز؛ ترفض أن تُحاصَر بضيق الاقتصاد رغم كونها السوق الأضخم التي تتاجر بالأرقام والآمال والأجساد، أو بحدود الاجتماع رغم طقوسها الجمعية. بل إنها تنفلت حتى من مفهوم الدولة وسيادتها؛ إذ تقف على رأسها منظمة عالمية (الفيفا)، لا هي بالدولة ولا هي بهيئة الأمم، ومع ذلك تمتلك سلطة التحكم في العالم، وتفرض قوانينها ومعاييرها الصارمة على سيادة الدول في تكريسٍ فج لنموذج رأسمالي يطوع الحكومات لمصلحة “اللعبة” وأرباحها. كل هذه المقاربات تصطدم بجدار صلب. إن اللعبة لا تفي بوعد المعنى، وأن الاستغراق في جزئياتها هو ضلالٌ عن حقيقتها الكلية.

إنها ليست ديناً مقدساً، لأن الدين يمنح معنى نهائياً ويعد بالخلاص، بينما تمنح كرة القدم نشوة مؤقتة، وتنتهي بصافرة لتعيد إنتاج الخيبة ثم تطلب منك العودة مجدداً. وهي ليست مقياساً للوطنية، لأن الوطنية فعل التزام تاريخي طويل، بينما الانتماء الكروي لحظيٌّ وهشٌّ، يتبدل بتبدل النتيجة؛ فمن يهتف اليوم قد يلعن غداً، دون أن يشعر بأي تناقض أخلاقي. إنها، بعبارة أدق، طقس بلا ميتافيزيقا؛ وفرجة جماعية تُفرغ فيها المجتمعات توترها الفائض، دون أن تُنتج معرفة، ولا مشروعاً، ولا ذاكرة مستقرة. ومن هنا ينبع استغلالها السياسي؛ لا لأنها واعية، بل لأنها قابلة لأن تُحمَّل ما لا تحتمل، فهي مساحة شاسعة من الخواء الجذاب.

وفي هذا العالم المادي الذي يطاردنا بسياط الإنتاجية، ويحاكم أرواحنا بميزان الجدوى في كل دقيقة، تبرز كرة القدم كفعل عبثي مُنظم؛ فعل يمنحنا الحق المشروع في الصياح والصراخ والبكاء والنشوة لأجل كرة تلامس شباكاً، دون أن يغير ذلك من مصير الكون شيئاً. إننا هنا لا نتحلل من وقار المنطق لنستعيد طفولة المشاعر فحسب، بل لنمارس القتال بروح الجماعة، ونستحضر ذاكرة الصراع التي دفناها تحت طبقات سميكة من القوانين والوظائف والآداب الاجتماعية. إنها حالة من التحلل من “الأنا” العليا والعودة إلى “نحن” القبيلة؛ تلك التي تدافع عن “منطقة” وتغزو أخرى، في استعادة رمزية لنشوة الوجود الخام قبل أن تروضه المدنية.

إن كرة القدم ليست «أكثر من الوصف»، بل هي في جوهرها «أقل من أن تُوصَف». إنها لحظة انقطاع عن المعنى، ومساحة يُعلَّق فيها العقل اضطراراً، وتُمنح فيها العاطفة حق القيادة دون مساءلة. لهذا تُحب، ولهذا تُكره، ولهذا لا نصل معها حتى إلى عتبة السؤال؛ فالتدقيق في كنهها يُفسد الدهشة، والاقتراب المفرط يحجب الرؤية؛ فالحقيقة في هذه اللعبة لا تكمن في قبول الغموض الكلي الذي يكتنفها. وفي العمق، ربما تكمن قيمتها الوحيدة في أنها تذكرنا بشيء مزعج: أن الإنسان، مهما بلغ من الوعي، يحتاج أحياناً إلى “اللا معنى” كي يواصل العيش في عالم يخنقه بوطأة المنطق والجدوى.

لهذا.. إنها كرة القدم، وكفى.

إقرأ الخبر من مصدره