العقوبات البديلة

Écrit par

dans


محمد شهبي

في سياق يطبعه التحول التدريجي نحو ترسيخ دولة القانون وتعزيز الحقوق والحريات، أقدم المغرب، خلال السنوات الأخيرة، على إدخال تعديلات تشريعية مهمة في مجال العدالة الجنائية، كان من أبرزها اعتماد آليات العقوبات البديلة. هذه الخطوة، التي جاءت ضمن إطار إصلاح قانون المسطرة الجنائية وقانون العقوبات، لا تمثّل فقط تجديداً قانونياً تقنياً، بل تعكس تحولاً عميقاً في الفلسفة العقابية المغربية، من منطق الانتقام والردع إلى منطق الإدماج الاجتماعي وإعادة التأهيل. ومن خلال مقاربة سوسيوقانونية، يُمكننا تفكيك أبعاد هذا التحوّل وتحليل تأثيراته على المستوى المجتمعي، المؤسساتي، وحتى الاقتصادي.

منطق جديد للعدالة: بين الردع والإصلاح

لطالما ارتبطت العدالة الجنائية في الوعي الجمعي المغربي بالسجن، باعتباره العقوبة الوحيدة الفعّالة، خاصة في الجرائم البسيطة أو المخالفات غير العنيفة. غير أن هذا التصور بدأ يتراجع أمام واقع مُرّ: اكتظاظ السجون، ارتفاع تكاليف الاعتقال، وتفشي ظواهر الانحراف داخل المؤسسات السجنية نفسها. وقد أدرك المُشرّع المغربي أن السجن، خصوصاً في القضايا الصغيرة، قد يولّد في كثير من الأحيان “مجرمين احترافيين” أكثر مما يعيد تأهيلهم.

من هنا، جاءت العقوبات البديلة كالخدمة المجتمعية، الغرامة التصالحية، الإقامة الجبرية، أو برامج التأهيل، كأداة لتفكيك الحلقة المفرغة بين الجريمة والسجن. فهي لا تستهدف فقط تخفيف العبء على المنظومة القضائية والسجون، بل تسعى إلى إعادة دمج المُدان في نسيجه الاجتماعي كمواطن منتج، وليس كعالة أو تهديد مستمر.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} البُعد السوسيولوجي: إعادة الاعتبار للفرد والمجتمع

من منظور سوسيولوجي، تمثّل العقوبات البديلة اعترافاً ضمنياً بأن الجريمة ليست حصراً مسألة فردية، بل هي انعكاس لاختلالات مجتمعية: بطالة، فقر، تهميش، غياب الحسّ المدني، أو تفكك أسري. وفي هذا السياق، لا يمكن لعقوبة جامدة كالسجن أن تعالج جذور المشكلة. بل إن العقوبة البديلة، خاصة الخدمة المجتمعية، تعيد ربط الفرد بمجتمعه، وتجعله يُسهم في إصلاح ما ساهم في إفساده، سواء مادياً أو رمزياً.

كما أن هذه الآليات تُسهم في تغيير العلاقة بين المواطن والعدالة. فبدلاً من أن ينظر إلى القضاء باعتباره جهة معاقبة ومنتقمة، يبدأ الفرد في إدراكه كحَكَمٍ عادل يُراعي ظروفه ويطمح إلى إصلاحه. هذا التحوّل في الصورة الذهنية للعدالة يعزّز ثقة المواطنين في المؤسسات، ويُسهم في بناء ما يُمكن تسميته بـ “العدالة التشاركية”، التي تُشرك المجتمع في عملية الإصلاح والوقاية.

الأثر المؤسساتي والاقتصادي

على المستوى المؤسسي، تتيح العقوبات البديلة ترشيد عمل القضاء والسجون. فالمحاكم لم تعد مُطالبة بمعالجة قضايا جنحية بسيطة عبر آليات معقدة، بل يمكن حسمها بإجراءات تصالحية سريعة. كما أن السجون، التي تعاني من اكتظاظ مزمن، تُصبح قادرة على التركيز على الجرائم الخطيرة والخطيرة جداً، حيث يُعدّ الحبس ضرورة مجتمعية لا مفر منها.

أما اقتصادياً، فإن تقليل عدد السجناء عبر العقوبات البديلة سيخفّف من النفقات العمومية الباهظة المتعلقة بإيواء الموقوفين، والتي تشمل التغذية، الصحة، الأمن، والإشراف. هذه الموارد يمكن إعادة توجيهها نحو برامج وقائية أو تنموية، كالتعليم أو التكوين المهني، التي تُعالج الجريمة من جذورها بدلاً من معالجة آثارها.

تحديات التطبيق ورهانات المستقبل

رغم الأهمية البالغة لهذه الإصلاحات، فإن تفعيلها يواجه عدداً من التحديات. فغياب آليات متابعة فعّالة، وضعف التكوين لدى بعض مهنيي العدالة، وقلة الوعي المجتمعي بهذه الآليات الجديدة، قد يُفقِد العقوبات البديلة فعاليتها. كما أن نجاح هذه التجربة يعتمد بشكل كبير على التعاون بين وزارة العدل، السلطات المحلية، الجمعيات، والمجتمع المدني، لضمان تنفيذ العقوبات البديلة في بيئات تُسهم فعلاً في إعادة التأهيل.

لكن لا تزال هذه الآليات تواجه مقاومة رمزية عميقة في الذهنية المغربية، المستندة إلى تمثّلات تقليدية تربط العدالة حصراً بالعقاب الجسدي والزجري. ففي وعي شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما في الأوساط التي تُعلي من قيمة “العقاب كوسيلة للردع”، يُنظر إلى العقوبات البديلة “تساهلاً مع الجريمة” أو “هروباً من العدالة الحقيقية”. هذه الرؤية، التي تختزل الجريمة في بُعدها الفردي دون اعتبار للسياقات الاجتماعية أو الاقتصادية، تُصعّب من قبول فكرة العدالة الإصلاحية، وتجعل من تعميم العقوبات البديلة رهينة بصراع ذهني أعمق:

صراع بين ثقافة الانتقام وثقافة الفرص. ولعلّ التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إقناع المؤسسات بجدوى هذه الآليات، بل في إقناع المواطن العادي.

في الختام، تمثّل العقوبات البديلة في القانون المغربي أكثر من مجرد تعديل تشريعي، إنها رسالة مجتمعية تقول إن العدالة ليست فقط عن العقاب، بل أيضاً عن الفُرصة. فرصة للفرد ليُصلح خطأه، وفرصة للمجتمع ليُصلح ذاته. وفي عالم يتجه نحو العدالة التصالحية والمقاربات الإنسانية، يبدو أن المغرب يخطو، ولو بحذر، في الاتجاه الصحيح.

-باحث في العلوم السياسية

إقرأ الخبر من مصدره