الأحداث بقلم محمد اعويفية
بآسفي، وفي الأزقة الضيقة للمدينة القديمة، التي عادة لا يلتفت إليها أحد إلا من أحبها وعشق عبق تاريخها، تجلس سيدة تبدو عليها الطيبوبة والرضا بالنصيب. سيدة في منتصف العمر، ملامحها لا تشبه هذا الواقع المحيط بها ، و كأن لا صلة لها به؛ لأن العقل فيها لم ينحن له رغم قسوته وجوره، ثوبها بسيط، غير أن عينيها المشعتان ذكاء تفضحان غنى وثراء آخر؛ ثراء لا يقاس بالمال، ولا يورث كالعقارات والحسابات البنكية.
امرأة لكتها الحياة، وعركتها بلا رحمة في تربية أبناءها وأبناء المدينة، غير أنها خرجت من كل ذلك غير متآكلة، مشحودة الهمة، عزيزة النفس، مصقولة الكبرياء. تتقن اللغة العربية كما تتقن الفرنسية، ولغات أخرى، لا استعراضا ولا ترفا زائدا، بل تعلما ودراسة وتجربة جمعتها وراكمتها من محطات العمر الشاقة الطويلة. لغات تعلمتها من كتب مهملة، أو من إذاعة قديمة كانت نافذتها الوحيدة على العالم وعلى خباياه. تتحدث الفرنسية بهدوء، والعربية تنساب من فمها فصيحة بلا تكلف، والدارجة هي الأخرى زلال عذب وقعه على القلوب قبل النفوس. تفهم ما يقال بلغات لا يتقنها كثير من الناس، حتى المتعلمين منهم.
تحمل عقلا منظما، وذاكرة حية، وحكمة لا تدرس. تعرف كل تفاصيل مدينتها وتاريخها العريق، لأنها عاشت فصوله. لا تحتاج إلى شواهد عليا لتفهم السياسة وكيف تدار دواليب الأمور بآسفي في زمن النكبة هذا؛ لأنها ممن دفعوا ثمنها لوحدهم ولا أحد آخر غيرهم. الحديث معها شيق ممتع؛ تقرؤك قبل أن تسأل، كما لو أنها تقرأ كتابا مفتوحا. تتصرف وفق سجيتها وعفويتها بثبات غريب. فحين تتكلم، تصغي إليها الأرصفة والجدران المتآكلة قبل البشر؛ لأن كلامها لا يطلب شيئا، ولا يبيع رأيا، بل يقول الحقيقة كما هي: موجعة وصادقة.
الفيضان و ضيق الحال لم ينتصرا عليها، بل اكتفيا بمحاصرة جسدها ومتاعها البسيط؛ أما روحها فظلت حرة طليقة بسيطة، تتنقل بين اللغات. في زمن صارت فيه الثقافة ادعاء، والمعرفة زينة ومظهرا، تذكرنا هذه السيدة الآسفية الحرة بأن العقل قد يسكن مدينة منكوبة وأن الجهل قد يلبس أفخم الأزياء والبدل ويستوطن الشقق الفخمة و”الڤلل”.
السيدة فاطمة ،ليست استثناء في آسفي بقدر ما هي عنوان فضيحة صامتة: فضيحة مجتمع بأكمله لا يرى القيمة الحقيقية للشخص إلا في المظاهر، ولا يعترف بالثقافة إلا إذا جاءت مرفوقة بالمصائب والكوارث. ومع كل ذلك، تواصل هذه السيدة الرائعة الجلوس في ذات الزاوية المفضلة ، فقيرة، غنية، عزيزة النفس، شاهدة على أن الجسد قد يهرم، لكن الكرامة لا تشيخ ولا تموت، مهما جارت عليها الطبيعة، والزمن، وسياسة الإنسان الخرقاء.
هيئة التحرير20 ديسمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره