عبد القادر بريهما
منذ سنوات طويلة، جرى اختزال تاريخ الصحراء وقضيتها في كيان واحد، وتقديمه وكأنه الحقيقة المطلقة والناطق الأوحد باسم الصحراويين، في تجاهل متعمد لمسار تاريخي عميق، ولتضحيات ورجالات ومؤسسات سبقت هذا الكيان واشتغلت بمنطق وطني تحرري واضح. هذا الاختزال القسري لم يُلغِ فقط ذاكرة الصحراء، بل شوّه مفهوم النضال نفسه، وحوّل قضية عادلة إلى ورقة صراع إقليمي. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة وضع الأمور في سياقها الصحيح، وتفكيك السردية المفروضة، قبل الخوض في مسؤولية قيادة البوليساريو، وخلفياتها، ومآلات مشروعها الذي بات اليوم مكشوفاً أمام الصحراويين وأمام العالم.
ليست البوليساريو سوى بنية طارئة على تاريخ الصحراء وأهلها، جرى تضخيمها سياسياً وعسكرياً خارج سياق النضال الحقيقي للصحراويين. فمنذ نشأتها، لم تكن تعبيراً حراً عن إرادة ساكنة الصحراء، بل أداة صُنعت على المقاس وسخرت من طرف دوائر القرار الجزائري، ووُضعت لتأدية وظيفة محددة تخدم أجندة إقليمية لا علاقة لها بحقوق الصحراويين ولا بكرامتهم.
لذلك، فإن كل ادعاء بتمثيل “الشعب الصحراوي” ليس سوى مصادرة للتاريخ، وإنكار لمسار نضالي وطني سبق البوليساريو بسنوات طويلة، وقاده رجال ومؤسسات تحركوا من داخل العمق المغربي، وبمنطق التحرر والوحدة لا بمنطق الارتزاق والارتهان، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: الحاج إبراهيم ولد دويهي والمرحوم بريكة الزروالي و المرحوم عبدالله ولد الخطاط والمرحوم حمدي ولد أبا علي……
قيادة البوليساريو، ومنذ سيطرتها على المخيمات، مارست أبشع أشكال القمع والانتهاك في حق المدنيين العزل، من اعتقال تعسفي، وتعذيب، وإهانة ممنهجة للرجال، إلى إذلال قوارير المجتمع الصحراوي المحافظ عبر الزج بهن في الأشغال الشاقة، من صناعة الطوب الترابي إلى أعمال قسرية لا تمت بصلة لأي كرامة إنسانية. هذه الممارسات لم تكن تجاوزات معزولة، بل سياسة ثابتة هدفت إلى إخضاع المجتمع بالقوة، وإفراغه من أي صوت حر يمكن أن يفضح طبيعة هذا الكيان المتكلس.
ولم تكتفِ قيادة البوليساريو بقمع الصحراويين، بل عملت على تغيير البنية البشرية للمخيمات عبر جلب عناصر أجنبية من مالي وموريتانيا والجزائر، بينهم مرتزقة وأشخاص لا علاقة لهم بالنزاع، في محاولة لصناعة “واقع” يخدم خطابها الدعائي. أما قرارها السياسي والعسكري، فظل ولا يزال مرتهناً بالكامل للمخابرات الجزائرية، ما جعل قيادتها تفكر بعقلية السبعينيات وبمنطق الحرب الباردة، عاجزة عن استيعاب تحولات العالم ومتطلبات سنة 2025، حيث سقطت الشعارات الخشبية وانكشفت الأوهام الكبرى.
اليوم، تعيش الجزائر نفسها وضعاً اقتصادياً واجتماعياً لا يُحسد عليه: غلاء خانق، هشاشة اجتماعية، اختناق سياسي، وتبعات ثقيلة للعشرية السوداء ما زالت تلاحقها حقوقياً ودولياً. هذا الوضع جعل من البوليساريو عبئاً إضافياً بعدما كانت ورقة ضغط، فتحولت إلى ورقة مستهلكة. وفي المقابل، دخلت الجبهة مرحلة مفترق طرق حقيقي، حيث هاجر الشباب إلى أوروبا، وتآكل الخطاب، ولم تعد “الحرب” قائمة إلا في البلاغات، بينما الواقع اليومي يكذبها.
أمام هذا الانسداد، بدأت تتبلور داخل الفضاء الصحراوي حركات شجاعة، بأفكار واقعية، تسعى إلى كسر الجمود والتقدم خطوة إلى الأمام نحو حل سياسي عقلاني، لا غالب فيه ولا مغلوب، المتمثل في حركة صحراويون من أجل السلام برئاسة السكرتير الاول للحركة السفير الحاج أحمد باريكلى ، رأفة بالنساء والأطفال والشيوخ الذين دفعوا ثمن المغامرة. غير أن قيادة البوليساريو، الأسيرة لإملاءات الجزائر، ترفض أي تقدم حقيقي لأنها لا تملك قرارها. وقد بات المنتظم الدولي واعياً بهذه الحقيقة، معترفاً بالجزائر طرفاً أساسياً في النزاع، ويمارس ضغطاً متزايداً لدفعها نحو القبول بالحلول الواقعية، وعلى رأسها مشروع الحكم الذاتي، كما كرّسه القرار الأممي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025. ومع هذا المسار، تبدو قيادة البوليساريو أقرب من أي وقت مضى إلى نهايتها السياسية المحتومة.