البوليساريو تنفذ محاولات جزائرية يائسة لمواجهة زخم الدبلوماسية المغربية

Écrit par

dans

هسبريس ـ أحمد الساسي

اختارت جبهة “البوليساريو” الانفصالية مجددا التواصل مع رئاسة مجلس الأمن الدولي، هذه المرة عبر مراسلة مندوب سلوفينيا الدائم لدى الأمم المتحدة، للاعتراض على مداخلة المملكة المغربية خلال اجتماع أممي رفيع المستوى خُصص لإحياء الذكرى الخامسة والستين لإعلان تصفية الاستعمار؛ وذلك في إطار توظيف المساطر الأممية لمواجهة الزخم الدبلوماسي المغربي.

وانصبت رسالة “البوليساريو” على مضمون المداخلة المغربية التي توقفت عند قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797، وما رافقه من تأكيد داخل المنتظم الدولي على مركزية مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية للنزاع؛ وهو ما اعتبرته الجبهة انحرافا عن مقاربتها التقليدية ومحاولة لفرض تصور تفاوضي لا تنخرط فيه.

وتأتي هذه الرسالة في سياق رئاسة سلوفينيا لمجلس الأمن، وهي الدولة التي سبق لها التصويت على القرار الأممي الأخير مع التأكيد على دعم حل سياسي توافقي؛ الشيء الذي يبرز حدود الرهان الذي تعقده “البوليساريو” على بعض المواقف المتحفظة، في ظل مسار أممي بات يميل يوما بعد يوم نحو الواقعية السياسية وتغليب منطق الحلول القابلة للتنفيذ.

في هذا الصدد، قال شرقي خيطار، الباحث في العلوم السياسية والإعلام، إن تعاطي جبهة “البوليساريو” مع مستجدات الملف يمكن قراءته كحلقة متواصلة في مسار بث المثالب، خاصة مع اقتراب الشروع في مفاوضات مباشرة كآلية إجرائية لتنفيذ مخرجات قرار مجلس الأمن رقم 2797.

وأضاف خيطار، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا القرار يروم ترسيخ معالم البحث عن حل سياسي توافقي في إطار السيادة المغربية، مرجعيته ومنطلقه مبادرة الحكم الذاتي. كما تأكد ذلك بوضوح في مختلف مراحل إعداد القرار، من المسودة الصفرية إلى الصيغة الزرقاء ثم اعتماده النهائي، بناء على رؤية واضحة ومشتركة بين أعضاء مجلس الأمن.

وأشار رئيس مركز الجنوب للدراسات والأبحاث إلى أن القرار الأممي يحدد أرضية الحل ويشكل منطلقا موجها للمرحلة المقبلة وما ستشهده من أدوار مفصلية في مسار الملف بمختلف أبعاده وتقاطعاته؛ من خلال البحث في شكل وإطار تدبير الحل في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتفعيل الأدوات والآليات الكفيلة بإبراز هذا الخيار وترجمته على أرض الواقع.
وأوضح المتخصص في شؤون الصحراء أن المرحلة المقبلة ستتميز أيضا بوضع استراتيجيات استباقية لتحويط كل السيناريوهات التي قد تقوض مسار طي هذا الملف بشكل نهائي، مع المضي قدما في ترسيخ المقاربات التنموية بالأقاليم الجنوبية، بما يضمن تحقيق السلم والأمن والاستقرار بالمنطقة.

وأكمل خيطار: “إن لجوء جبهة “البوليساريو” إلى مراسلة مجلس الأمن يمكن تفسيره من منطلقين أساسيين؛ أولهما استباقي، يروم التأكيد على رفض تنفيذ مخرجات القرار الأممي وما يحمله من آثار سياسية وقانونية لا تصب في صالحها ولا في صالح الأطراف الداعمة لها. وثانيهما آني، يرتبط بانتقال المغرب إلى مرحلة متقدمة من تجسيد سيادته الاقتصادية وتعزيز شراكاته وعلاقاته الثنائية”.

من جانبه، سجل السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، أن الاطلاع على رسالة سيدي محمد عمار الموجهة إلى رئاسة مجلس الأمن الدولي، ردا على مداخلة المملكة المغربية، يكشف بوضوح عدم تقبل جبهة البوليساريو للأمر الواقع الذي أفرزه قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 بشأن قضية الصحراء.

وأضاف رحال، ضمن إفادة لجريدة هسبريس، أن القرار الأممي أحال أكثر من ست مرات على مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساسا للمفاوضات من أجل التوصل إلى حل سياسي دائم ومقبول من الأطراف؛ وهو توصيف تم التأكيد عليه بشكل لافت داخل نص القرار.

وأورد المتحدث ذاته أن عبارة “حل مقبول ودائم” وردت بدورها أكثر من إحدى عشرة مرة في القرار الأممي؛ ما يعكس توجها واضحا داخل مجلس الأمن نحو تثبيت مرجعية التفاوض، لافتا إلى أن رسالة منسق “البوليساريو” مع “مينورسو” ليست سوى تعبير مباشر عن رفض هذا المسار الجديد.

وتابع قائلا: “إن رسالة “البوليساريو” لا تعدو أن تكون إلا إعادة صياغة ضعيفة لرسالة ممثل الجزائر لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، كما تشكل محاولة استباقية لعرقلة أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة حول الملف؛ ذلك أن رفض اعتبار الحكم الذاتي أساسا للتفاوض يمثل عرقلة صريحة للجهود التي قد يقودها المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا تنفيذا لقرار مجلس الأمن”.

وخلص الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام” إلى أن هذه الرسالة تترجم غياب أية نية حسنة لدى جبهة “البوليساريو” للدخول في مفاوضات دون شروط مسبقة، وتندرج ضمن محاولات يائسة لإعادة الملف إلى نقطة الصفر، رغم ما راكمته الأمم المتحدة من جهود حظيت بتأييد واسع داخل مجلس الأمن.

وشدد السالك رحال على أن “تشويه المقترح المغربي، الذي نال دعم 127 دولة من بينها قوى كبرى دائمة العضوية، لن يغير من مسار أممي بات يتجه نحو حلول واقعية وقابلة للتنفيذ”.

من جهته، أبرز محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، أن مسار تسوية قضية الصحراء دخل مرحلة جديدة في ظل التوجه الأممي الراهن، الذي وضع الأسس الأولى لتنزيل مشروع سياسي يروم طي الملف بشكل نهائي.

وأكد بقادة، في تصريح لهسبريس، أن خطاب جبهة “البوليساريو” لا يزال أسير المقاربات القديمة، دون استيعاب التحول الذي كرسه قرار مجلس الأمن رقم 2797، باعتباره لحظة فاصلة تفتح صفحة جديدة بأولويات تراعي مصالح جميع الأطراف.

وأضاف رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”: “إن رسالة اعتراض “البوليساريو” الموجهة إلى رئاسة مجلس الأمن، التي تتولاها سلوفينيا خلال شهر دجنبر، وما رافقها من مراسلة سيدي محمد عمار، منسق الجبهة مع بعثة المينورسو، تعكس رفضا واضحا للمداخلة المغربية خلال اجتماع أممي رفيع المستوى، ورفضا صريحا لاعتماد مبادرة الحكم الذاتي كأرضية تفاوضية، بدعوى مساسها بحق تقرير المصير”، مبرزا أن هذا التوقيت يثير تساؤلات حول خلفيات هذه التحركات قبيل انطلاق المفاوضات المباشرة المرتقبة.

وأوضح المتحدث عينه أن قرار مجلس الأمن 2797 كان واضحا في مضامينه وملزما للأطراف المعنية، ولم يترك هامشا لإعادة تفسيره أو الالتفاف على فقراته، مستحضرا الإحالة المتكررة على مفهوم الحكم الذاتي الحقيقي داخل القرار التي تشكل جوهر التوجه الأممي الجديد، والذي يُنظر إليه في الجزائر كـ”هزيمة استراتيجية تمس صورتها السياسية والدبلوماسية في ملف الصحراء”.

وشدد على أن الرسائل الصادرة عن قيادة “البوليساريو” تعكس، في تقديره، حضورا مباشرا لما اسماه “صاحب القلم في المرادية”، الذي ظل لعقود موجها وراعيا لتحركات الجبهة داخل أروقة الأمم المتحدة.

وفي هذا السياق، أكد محمد فاضل بقادة أن هذه المناورات، مهما أحدثت من ضجيج سياسي، لن تؤثر في المسار الجديد الذي رسمه القرار 2797 بقدر ما ستشكل دليلا آخر على تآكل خطاب الترافع الجزائري أمام تنامي الشرعية الدولية للمقترح المغربي، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة التي جعل منها مجلس الأمن الأرضية الوحيدة للتوصل إلى حل نهائي للنزاع.

إقرأ الخبر من مصدره