خديجة شاكري
شنت مقاتلات حربية تابعة لسلاح الجو السعودي اليوم الجمعة 26 ديسمبر 2025، غارات جوية على معسكر تسيطر عليه قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة حضرموت شرقي اليمن.
وبحسب ما أفادت به وكالة أنباء ((شينخوا)) فإن مقاتلات حربية شنت نحو ثلاث غارات جوية على معسكر “نخب” في مديرية غيل بن يمين في محافظة حضرموت بعد ساعات من سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي عليه.
وتزامنت هذه الغارات مع اشتباكات مسلحة بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي ومسلحين قبليين ضمن ما يسمى “حلف قبائل حضرموت” في عدة مناطق بالمحافظة.
وتأتي هذه التطورات، بعدما حثت السعودية المجلس الانتقالي الجنوبي على المبادرة بسحب قواته بشكل عاجل من محافظتي حضرموت والمهرة في اليمن اللتين سيطر عليهما في مطلع الشهر الجاري، مشيرة إلى أن “القضية الجنوبية عادلة وستُحل بحوار بين كافة الأطراف اليمنية ضمن الحل السياسي الشامل”.
كما تأتي بعد تعرّض القوات الجنوبية لكمين نصبه تنظيم القاعدة، استهدف نقاطاً ودوريات تابعة لقوات النخبة الحضرمية في مناطق متفرقة، بمحافظة حضرموت.
وكانت القوة الأمنية تواصل تنفيذ برنامجها الميداني المعد سلفاً، قبل أن تباغتها المجاميع المسلحة، فيما أكد مصدر عسكري، أن هذا الاعتداء لا يستهدف الدورية فحسب، بل هو “محاولة بائسة” لعرقلة تطهير الهضبة والوادي من بؤر الإرهاب والتمرد، وإعادة المحافظة إلى دوامة الفوضى والمليشيات.
في غضون ذلك، كانت صحيفة الغارديان البريطانية، عن قد كشفت مؤخرا عن حشد سعودي ضخم قوامه نحو 20 ألف مقاتل من قوات “درع الوطن” اليمنية على الحدود.
وهددت المملكة السعودية، بشن غارات جوية على مواقع “المجلس الانتقالي الجنوبي” بحسب الصحيفة، وذلك وسط هدنة هشة بين المجلس الاتنتقالي وميلشيا الحوثي المدعومة من إيران، سنة 2022.
هل تتعرقل محاربة الإهاب؟
وتأتي هذه التطورات، في وقت تحارب فيه القوات الجنوبية، تنظيم القاعدة الإرهابي، في الجنوب، وأي تصعيد عسكري غير موجه ضد التنظيم، سيخدمه بلا شك، كما يخدم ميلشيا الحوثي، وتنظيم الإخوان المسلمين.
وكانت قوات النخبة الحضرمية، قد نجحت في طرد تنظيم القاعدة سنة 2016 من مدينة المكلا، بمحافظة حضرموت، بعد سيطرته لمدة سنة واحدة.
وإبان سيطرته، استولى التنظيم على الموارد النفطية، وكسب ملايين الدولارات من العائدات، كما نفذ إعدمات ميدانية هناك بحق المدنيين الأبرياء.
ومطلع الشهر الجاري، أطلقت القوات المسلحة الجنوبية عملية “المستقبل الواعد” لتحرير وادي وصحراء حضرموت ومحافظة المهرة، التي كانت تستخذم بفضل امتداد سواحلها التي تُقارب 560 كيلومترًا على بحر العرب كممر رئيسي لتدفق الأسلحة الإيرانية إلى اليمن، عبر شحنات بحرية تُفرّغ على سواحل المحافظة أو تُنقل برًا عبر صحراء حضرموت والربع الخالي وصولًا إلى شمال اليمن.
فيما كان منفذا “شحن” و”صرفيت” في المهرة من أهم المنافذ الحدودية التي استُخدمت في تهريب السلاح والذخائر للجماعة. كما أن الطريق الصحراوي البري (عبر وادي حضرموت وصحرائها) كانت حلقة لربط هذه الشحنات بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي، مرت بمدن ومناطق تحت نفوذ الجماعة أو ممرات تهريب خفيّة.
ومن هنا جاءت عملية “المستقبل الواعد” لتطهير وتحرير كافة مدن ومناطق وادي وصحراء حضرموت، واتخاذ التدابيرِ اللازمة، لتطبيع الأوضاع وحفظ الأمنِ والاستقرار، وصونِ المصالحِ العامة والخاصة.
وتحاول القاعدة العودة إلى حضرموت والمناطق الجنوبية بشكل عام، عبر التنسيق مع ميليشيات قبلية، كان آخرها تمرد في نهاية نوفمبر الماضي، بقيادة الشيخ عمر بن حبريش، قبل أن تستعيد قوات النخبة الحضرمية، السيطرة على الأوضاع.
كما أن بن حبريش، مدعوم من السعودية، وقد تحرك مؤخرا استجابة لأهدافها، ما يعني بحسب مراقبين، تحالف ثلاثي شبه معلن، بين المجاميع القبلية والقاعدة من جهة، والمجاميع والسعودية من جهة أخرى، فيما لا يستبعد أن تنضم ميلشيا الحوثي إلى التحالف خاصة أن هذه التطورات تخدمها جيدا، وبالنظر إلى تطوير العلاقات بين طهران والرياض.
خنق الجنوب من ميناء عدن
القصف السعودي الأخير، جاء بعد تحركات تمهيدية، فقبل أسبوع، علقت المملكة العربية السعودية، إصدار تصاريح دخول السفن إلى ميناء عدن جنوبي اليمن.
وأكد مراقبون، أن هذا الإجراء، يهدف إلى ممارسة ضغط مؤقت على المجلس الانتقالي الجنوبي، في ظل حراك شعبي كبير داعم لاستقلال الجنوب.
ويُعد ميناء عدن شريان حياة حيويًا لليمن، حيث يسهل استيراد الغذاء والوقود والإمدادات الطبية لملايين الأشخاص في جميع أنحاء البلاد التي مزقتها الحرب، بما في ذلك المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي.
ويؤثر تعليق تصاريح السفن سلبًا على تدفق السلع الأساسية إلى المدنيين الذين يعانون بالفعل من سنوات الحرب، بحسب مراقبين، الذين استغربوا من الإجراء.
ويؤكد هؤلاء، أن هذا الإجراء قد يؤدي إلى تدهور إضافي في الأوضاع المعيشية، خصوصًا في المناطق التي تعتمد بشكل رئيسي على الميناء كمصدر أساسي للإمدادات، وسط مخاوف من ارتفاع أسعار السلع الأساسية ونقص حاد في الوقود والأدوية.
وجاء هذا الإجراء، بعد توقف الملاحة الجوية في مطار عدن وعودتها بعد ذلك، بمقابل إيقافها بمطار سيئون، في محاولة للضغط على المجلس الانتقالي الجنوبي.
الجنوب يتوحّد
في غضون ذلك، تأتي هذه التطورات، في وقت خرج فيه الجنوبيون من مختلف المحافظات، منتظرين إعلان دولة الجنوب العربي، بعد فشل الوحدة التي أعلنت سنة 1990.
الصحفي صالح حقروص، قال تعليقا على الأحداث الأخيرة: “يتفاخرون ببيان الخارجية السعودية، رغم أنهم أكثر من غيرهم يعلمون أن هذا البيان فُرض على السعودية فرضًا. ويعرفون جيدًا أوراق الضغط التي استُخدمت، سواء عبر الرسالة التي أُرسلت إلى المملكة من خلال نائب وزير الخارجية عبر قناة العربية، أو عبر ورقة جيزان ونجران وعسير.”
وأضاف: “أما نحن في الجنوب، فإن أهم ما ورد في بيان الخارجية السعودية هو ما يلي:
القضية الجنوبية قضية عادلة، ولها أبعادها التاريخية والاجتماعية، وسيتم حلها بجلوس كافة الأطراف للحوار ضمن الحل السياسي الشامل.”
ومن جهته يقول الكاتب بشير البريكي، إن “قضية الجنوب ليست محل تفاوض، واستعادة دولته ليست صدقة ينتظرها من أحد ولم يستجدِ حقاً ليس له، بل هي الحق الذي انتُزع بقوة الباطل، وسيعود بقوة الحق والإرادة… على مدار سنوات والجنوب يذبح ببطء تحت مسميات براقة وشرعية لم تطعم جائعاً ولم تؤمن خائفاً.”
وأضاف: “كانت النتيجة أرضاً بلا أمن، وإنساناً تُهدر كرامته كل صباح عند أبواب الخدمات المفقودة. وبينما كان العدو يتمدد بأطماعه، وقفت تلك القوى اليمنية عاجزة؛ لا هي حمت وطناً، ولا صانت دماً، ولا حفظت عرضاً. لقد ظل الجنوبيون يدفعون ثمن أوهامٍ يمنية من دمائهم وأعصابهم.”
وأضاف أن الطفل الجنوبي كبر ” وهو يرضع الخيبة، ومات الشيخ وهو يرى وطنه يُنهب أمام عينيه، دون أن يذوق طعم الاستقرار أو الحياة الكريمة.”