ربيع التخليق ومعركة محاربة التفاهة: من خرجات أوزين إلى أفق ثقافي جديد

Écrit par

dans

عبد الحي السملالي

مدخل

لم تعد معركة التفاهة في المغرب شأناً أخلاقياً عابراً أو سجالاً ثقافياً معزولاً، بل أضحت لحظة كاشفة لتعقيدات أعمق تطال بنية المجال العمومي ذاته. ففي زمن تتقاطع فيه السياسة مع المنصات الرقمية، وتتداخل فيه القيم مع آليات التأثير والتوجيه، يصبح الخطاب العمومي مساحة صراع مزدوج: صراع على المعنى، وصراع على شروط إنتاجه وتداوله. ومن هذا المنظور، تكتسب خرجات محمد أوزين دلالتها، لا بوصفها مواقف فردية، بل باعتبارها علامة على توتر بنيوي بين الرغبة في استعادة الجدية، ومخاطر الانزلاق إلى منطق التفاهة ذاته.

ذلك أن الخطاب الذي يرفع شعار محاربة التفاهة قد يتحول، دون وعي، إلى جزء من آلياتها، حين يُستدعى التنديد الأخلاقي بديلاً عن النقد العقلاني، وحين تُختزل الصراعات المعقدة في ثنائيات قيمية مبسطة. هنا لا تعود المسألة متعلقة بالنوايا، بل بالبُنى التي تصوغ الخطاب وتمنحه فاعليته داخل فضاء عمومي بات محكوماً باقتصاد الانتباه، وسرعة التداول، والتأثير الانفعالي.

إن خرجات محمد أوزين، كما تتجلى في خطابه، لا تُختزل في كونها استعراضاً سياسياً عابراً، بل تمثل عَرَضاً كاشفاً لبنية أعمق تهيمن على المجال العمومي. فحين يحلّ الادعاء محلّ التحقق، تحت ذريعة أن «غياب الحجج دليل إدانة»، ويُختزل الصراع السياسي في ثنائيات أخلاقية مبسطة (نظيف/فاسد)، تتحول السياسة فعلياً إلى فرجة تُستهلك فيها الانفعالات أكثر مما يُنتج فيها المعنى.

أوزين بين التنديد والسقوط في التفاهة

إن خطابات محمد أوزين، وإن بدت في ظاهرها تنديداً بالتفاهة، تكشف في بنيتها العميقة عن خطر الوقوع في ما تندد به. فحين يُستبدل النقد العقلاني بالتهويل الانفعالي، وحين يُختزل التعقيد السياسي في ثنائيات حادة، يصبح الخطاب نفسه جزءاً من منظومة التفاهة التي يدّعي مقاومتها.

ولا تكمن هذه المفارقة في البعد الشخصي، بقدر ما هي بنيوية؛ إذ تكشف أن التفاهة قادرة على ابتلاع حتى خطابات التنديد بها، متى لم تُبنَ على أسس عقلانية ومؤسسية واضحة، قادرة على تحويل الجدية من شعار إلى ممارسة سياسية وثقافية قابلة للمساءلة.

التفاهة: من سلوك فردي إلى نظام مؤسسي

نحن هنا أمام لحظة تستدعي التفكير، لا في “تخليق” فردي معزول، بل في مقاومة ما يمكن تسميته بنظام التفاهة؛ ذلك النظام الذي يكافئ الرداءة، ويُقصي الجدية، ويتغذى على السطحية. ولا يكتمل هذا المشروع إلا بترجمة الوعي الجمعي إلى إرادة مؤسسية، عبر ما يمكن وصفه بربيع دستوري، لا بوصفه انقلاباً على الدستور، بل باعتباره تفعيلاً جذرياً وآمناً لآلياته في خدمة قيم النزاهة والمسؤولية.

لم تعد التفاهة، في معناها المعاصر، مجرد نقص في الذوق أو ضعف في الخطاب، بل غدت نظاماً اجتماعياً وسياسياً مُعولماً، تصبح فيه «طبقة الأشخاص التافهين» هي الطبقة المسيطرة، كما يذهب إلى ذلك آلان دونو، حيث تُكافأ الوسطية الرديئة، ويُهمَّش العمق والكفاءة تحت شعارات شعبوية براقة.

وتكشف خطابات من قبيل خطاب أوزين هذا النظام بوضوح، من خلال ثلاث آليات مركزية:

  • استبدال النقد بالتهويل: إذ يُستدعى النداء الأخلاقي بلغة انفعالية وصور قصوى، تُنتج الأثر النفسي ذاته الذي يُفترض أنها تدينه.
  • اختزال التعقيد: عبر ثنائيات حادة (فقير/غني، شريف/فاسد) تُسطّح الواقع السياسي، وتنقل النقاش من مساءلة المنظومات إلى محاكمة الأشخاص.
  • اقتصاد الانتباه: بالاعتماد على التشويق المؤجل والوعود الغامضة، بما يستنزف المشاعر ويدير الانتباه بدل تقديم حجج قابلة للنقاش العمومي.

التخليق: إعادة بناء البُنى المنتِجة للمعنى

في مواجهة هذا النظام، لا يعود التخليق وعظاً أخلاقياً، بل مشروع مقاومة ثقافية يستهدف إصلاح البُنى المنتِجة للمعنى. فالمعركة الحقيقية لا تُخاض ضد مظاهر التفاهة فقط، بل ضد الشروط التي تسمح بإعادة إنتاجها، وذلك عبر:

  • إعادة تعريف الجدية بوصفها شرطاً لفضاء عمومي قادر على استيعاب التعقيد والتعدد.
  • استعادة النقد البنيوي، بتحويل التركيز من الذوات الفردية إلى مساءلة المنظومات والتحالفات المؤسسية.
  • بناء العقل النقدي كمناعة جماعية، من خلال إصلاح تربوي وإعلامي يُقدّم التحليل العميق على استهلاك الخطابات الجاهزة.

البيان الثقافي الجديد: نحو مسؤولية جماعية

على خطى غرامشي، الذي جعل من النقد الاجتماعي مشروعاً ثقافياً، تبرز الحاجة اليوم إلى أفق جديد يعيد وصل السياسة بالمعنى، ويحرر المجال العمومي من منطق التهويل والاستقطاب. أفق يقوم على:

  • رفض منطق التفاهة القائم على التبسيط وشخصنة الصراعات.
  • إعادة الاعتبار للجدية بوصفها شرطاً للحرية، وللنزاهة باعتبارها التزاماً مؤسسياً يتجاوز النوايا الفردية.
  • تحويل التخليق إلى مشروع جماعي لبناء أنظمة تقييم تُكافئ العمق والجودة.

الربيع الدستوري: الترجمة المؤسسية للتخليق

يبقى هذا الأفق الثقافي هشاً ما لم يجد ترجمته في أطر مؤسسية تحميه. وهنا يبرز مفهوم الربيع الدستوري بوصفه مساراً هادئاً وجاداً لإصلاح النظام من داخله، عبر:

  • تفعيل النصوص الدستورية بتحويل المبادئ إلى إجراءات عملية تحارب التضليل وتضمن الشفافية.
  • الإصلاح التشريعي المؤسسي من خلال تمكين هيئات رقابية مستقلة مالياً وإدارياً.
  • تعزيز استقلال القضاء والإعلام، وحماية المال العام بآليات واضحة وقابلة للتنفيذ.

من الوعي إلى المسؤولية

لا يُعبّئ المقال الثقافي بالتحريض المباشر، بل بفضح البُنى غير المرئية التي تُفرغ السياسة من معناها. فحين يُظهر أن التفاهة ليست بريئة، بل أداة لتجريف المعنى، وحين يربط التخليق بالدسترة بوصفهما شرطين لوجود سياسي حقيقي، فإنه يحوّل النقد إلى وعي، والوعي إلى مسؤولية.

خاتمة: معركة إعادة التعريف

ربيع التخليق هو، في جوهره، معركة ثقافية لإعادة تعريف ما يُعدّ جدياً وذا قيمة في حياتنا المشتركة. إن خطابات الاستعراض والتشهير ليست سوى أعراض لاستسلام جماعي لقواعد لعبة تحكمها التفاهة. ومقاومتها ليست حنيناً إلى أخلاقيات الماضي، بل جهداً خلاقاً لبناء مجال عمومي قادر على إنتاج المعنى، وحمايته بقوانين عادلة، وتداوله بمسؤولية.

إقرأ الخبر من مصدره