الدكتور عبدالقادر الحافظ بريهما
خلال الأيام الأخيرة، وبعد التفاعل الواسع الذي رافق مقالي «شيوخ القبائل الصحراوية.. صوت الحكمة لفتح طريق العودة عبر بوابة الحكم الذاتي»، برز سؤال جوهري يتردّد بإلحاح في النقاشات الخاصة والعامة: لماذا لا ينخرط شيوخ القبائل الصحراوية، بالأقاليم الصحراوية على المحيط الاطلسي وشرق الجدار، بشكل واضح ومسؤول في حركة صحراويون من أجل السلام؟ سؤال لا ينطلق من الفراغ، بل من شعور عميق بأن اللحظة التاريخية الراهنة تتطلب شجاعة أخلاقية وحكمة اجتماعية توازي حجم المعاناة الممتدة منذ أكثر من خمسين سنة في حمادة تندوف، حيث ضاعت كرامة الصحراويون وغاب الأفق، وتراكم اليأس بدل الحلول.
إن هذا السؤال يعيدنا إلى جوهر المشيخة، لا باعتبارها موقعًا رمزيًا أو امتيازًا اجتماعيًا، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية قبل كل شيء. فالتاريخ الصحراوي علمنا أن الشيخ كان دائمًا صوت العقل في زمن الفتن، وملاذ الناس في زمن الضيق، وحارس التوازن الاجتماعي حين تختل الموازين. ومن هذا المنطلق، فإن أي حركة تسعى بصدق إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من كرامة الصحراويين، وضمان عيشهم في أمن وسلام وطمأنينة، لا يمكن أن تكون بعيدة في جوهرها عن القيم التي قامت عليها المشيخة الأصيلة.
حركة صحراويون من أجل السلام تلتقي، من حيث المبدأ والغاية، مع أدوار شيوخ القبائل، لأنها حركة تنطلق من بعد النظر والعمق، وتقدم الإنسان الصحراوي على الحسابات الضيقة، وتبحث عن حل واقعي ينهي المأساة بدل استدامتها. وهي بذلك لا تراهن على الشعارات، بل على الحكمة، ولا تتغذى من المعاناة، بل تسعى لوضع حدّ لها. هذا التقاطع الطبيعي يجعل التساؤل حول غياب انخراط الشيوخ تساؤلًا مشروعًا، لا طعنًا في أحد، بل حرصًا على استعادة أدوار ضائعة.
لقد أثبتت الحركة، بقيادة سكرتيرها الأول، الدبلوماسي الحاج أحمد باريكلا، أنها تحمل رؤية سياسية وأخلاقية متزنة، تُقدر ثقل البعد الاجتماعي والقبلي، وتعي أن الحل لا يمكن أن يكون مفروضًا أو معزولًا عن النسيج التقليدي للمجتمع الصحراوي. فخطاب الحركة هادئ، عقلاني، ومبني على الرحمة بالناس، وهي صفات لطالما ميّزت الشيوخ المعروفين بالحكمة وبعد النظر والمكانة الاجتماعية المعتبرة.
غير أن بعض الشيوخ، ولأسباب متعددة، ظلوا مترددين أو بعيدين، إما خوفًا من كلفة الموقف، أو ارتهانًا لواقع صنعته سنوات من التوظيف السياسي للمشيخة، وعلى الخصوص شرق الجدار، حيث جرى تفريغ مؤسسة الشيخ من بعدها الأخلاقي وتحويلها إلى أداة صراع أو وسيلة امتياز. هذا الواقع جعل جزءًا من المشيخة ينكفئ، بدل أن يبادر، وينتظر، بدل أن يقود، في لحظة تحتاج إلى من يقول كلمة الحق ولو كانت مُكلفة.
إن انخراط شيوخ القبائل في حركة صحراويون من أجل السلام لا ينبغي أن يُفهم كاصطفاف سياسي ضيق، بل كاستعادة لدورهم التاريخي كحماة للسلم الاجتماعي، وناطقين باسم الضمير الجمعي. فالشيوخ الذين يشهد لهم المجتمع بالحكمة، والرأفة، والعمق الاجتماعي، قادرون على إعطاء الحركة بعدًا أخلاقيًا أقوى، وعلى طمأنة الناس، وفتح جسور الثقة، والمساهمة في إخراج الصحراويين من حالة الانتظار القاتل.
في النهاية، فإن المأساة التي عاشها الصحراويون لعقود لا يمكن أن تُواجه إلا بتكامل الأدوار بين الفاعل السياسي الواعي والواقعي (كحركة صحراويون من أجل السلام)، والشيخ الحكيم، والمجتمع الحي. وحين يلتقي شيوخ القبائل، بمكانتهم الرمزية والنوعية العميقة، مع حركة تحمل هم السلام والكرامة والعيش الكريم، فإن ذلك لا يكون إلا خطوة في اتجاه إنهاء معاناة طال أمدها، أو كامتدادٍ هشّ لمنطق النفوذ والامتياز، منزوعٍ من معناه الأخلاقي، ومفصولٍ عن رسالته الأصيلة في لمّ شمل الصحراويين والرأفة بهم وصون كرامتهم..