الأحداث بقلم محمد اعويفية
عندما يفيض واد الشعبة وتضيع الأرواح والأرزاق ، لا تكون الفيضانات مجرد كارثة طبيعية وحسب ، بل امتحانا حقيقيا لمدى جاهزية المؤسسات المنتخبة وقدرتها على التواصل المستمر مع المواطنين ،باعتباره مسؤولية أخلاقية وسياسية لا تقل أهمية عن عمليات الإنقاذ ذاتها. غير أن ما تكرر هو غياب صوت المسؤولين، وتركهم المواطنين وحدهم في مواجهة الخطر للمرة الثانية.
في الساعات الأولى للكارثة، انتظر الناس رسائل توضيحية للإجراءات المزمع اتباعها في مثل هذه الحالات، أو حتى اعترافا بحجم الخطر ، لكن بدل ذلك، يسود صمت رسمي ثقيل، لا تقطعه إلا صور متداولة على مواقع التواصل الإجتماعي، وشهادات مواطنين يصرخون طلبا للمساعدة. هذا الفراغ في التواصل لا يضاعف فقط من حالة الهلع ويزيد من هولها، بل يترك الباب مواربا أمام الشائعات، ويقوض القليل مما تبقى من الثقة بين المواطن والمؤسسات.
المواطن لا يعرف إلى من يتوجه، أمام غياب التواصل وغياب المؤتمرات الصحفية ،ولا أي معلومة يصدق، ولا ما إذا كانت السلطات المنتخبة مدركة ومقدرة فعلا لما يجري على الأرض.في زمن الكارثة هذا، الذي تتحول فيه المعلومة الرسمية الدقيقة إلى وسيلة إنقاذ بحد ذاتها.
الأخطر من ذلك أن صمت المسؤولين يفهم غالبا بوصفه استخفافا بمعاناة المتضررين، أو محاولة للتهرب من المسؤولية. فحين تغرق مدينة و تعزل أو يفقد شخص، لا يكون المطلوب فقط التدخل الفوري الميداني، بل الحضور المعنوي بخطاب واضح، اعتراف بالقصور إن وجد، والتزام صريح بالمحاسبة والتعويض.
لقد أظهرت تجارب دول عديدة أن إدارة الكوارث تبدأ بالتواصل، وأن المسؤول الذي يظهر في الميدان أو يخاطب الناس بصدق وشفافية، يخفف من حدة الأزمة حتى قبل أن تنحسر المياه. أما حين يترك المواطن وحيدا أمام شاشة هاتفه، يبحث عن خبر أو إشاعة، فإن الكارثة تتضاعف، وتتحول الفيضانات من حدث طبيعي إلى فشل مؤسساتي كبير ، والبلاد مقبلة على الانتخابات في السنة القادمة.
في مثل هذه الظروف يقاس أداء المسؤولين بوضوح تصريحاتهم وتوقيتها وصدقها ، أما صمتهم فيعد موقفا سلبيا قد تكون كلفته أفدح من الخسائر المادية.
التواصل المسؤول والشفاف من حقوق المواطن على المسؤول المنتخب، وواجب لا يجوز التغافل عنه حين تكون المياه عارمة والخوف أعلى من الجدران و يتعدى حدود الصبر.
هيئة التحرير28 ديسمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره