
إدريس القري
سياق الحصيلة
مع اقتراب نهاية سنة 2025، يقف السينمائي المغربي الواعي بالبعد الثقافي الكبير للسينما، كما يقف الناقد المتابع عن كثب لتطورات القطاع السينمائي الوطني، أمام واقع مزدوج ومعقد: فمن جهة تواصل السينما المغربية تحقيق إنجازات لافتة على المستوى الفردي والدولي، ومن جهة ثانية استمرارية غياب رؤية استراتيجية شاملة تؤسس لبنية تفكير وإنتاج وتوزيع ومشاهدة ومتابعة تطوير مستدامة. وعلى الرغم من الجوائز المتعددة التي حصلت عليها بعض الأعمال المغربية هنا وهناك، وأحيانًا في أرفع المهرجانات الدولية، فإن التقييم البنيوي للقطاع يكشف عن: نقص في شبكة القاعات، وضعفٍ في التكوين المهني، وغياب دعم إعلامي منهجي، واستمرار احتكار توزيع الإيرادات من قبل شبكة قاعات أجنبية خاصة، تهيمن على السوق المحلية وتفرض شروطها بمنطق السوق.
نقدم في هذه الحصيلة – رغم وعينا وتمرُّسنا بموقع النقد الضعيف والمهمش في هذا القطاع – تحليلاً/وجهة نظر، لحصيلة السينما المغربية سنة 2025، تستعرض: الإنجازات الفردية والتحديات البنيوية ودور المهرجانات والتوزيع والإيرادات، ثم الانتهاء بتقديم اقتراحات استراتيجية لتقوية السينما الوطنية بما يتوافق مع التوجهات الملكية في المجال الاقتصادي والثقافي والتنموي، وهي اقتراحات حظيت بتهنئة ملكية ولم تلق لا نقاشًا ولا أدنى التفاتة من الجهات المهنية ولا الحكومية المسؤولة عن القطاع، بل التهميش والنكران ولربما أكثر من ذلك!؟
الإنجازات الفردية: حضور مغربي محترم في الساحة الدولية.
1 – Venice Production Bridge وفتح آفاق التمويل الدولي.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
شهد المغرب سنة 2025 حضورًا بارزًا ضمن فضاء Venice Production Bridge، (Tarfaya للمخرجة صوفيا العلوي Sofia Alaoui. The Black Pearl للمخرج أيوب قانير Ayoub Qanir. The Missing Camel للمخرج شيخ نداي Cheikh N’Diaye.) وهو سوق دولي مخصص للمنتجين والمخرجين للبحث عن تمويل وعرض مشاريعهم على صناع السينما العالميين. تم اختيار ثلاثة مشاريع مغربية ضمن العروض المخصّصة للمشاريع البحثية عن تمويل، ما يمثل إشعاعًا دوليًا حقيقيًا على مستوى التقدير الفني للمخرجات المغربية (Maroc.ma, 2025).
يبقى حضور المغرب سينمائيًا فرديًا ومحدودًا على الرغم من هذه الإنجازات، إذ لم تتحقق بعد استفادة منه بشكل مستدام على مستوى الصناعة الوطنية، ولم تتجاوز هذه المشاركات الفردية نطاق التقدير الإعلامي والفني لتتحول إلى فرص تجارية منتظمة تدعم اقتصاد السينما المحلية.
2 – جوائز محلية ودولية: والتقدير لا يوازي التأثير.
شهدت هذه السنة أيضًا مشاركة قوية للأفلام المغربية في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، حيث توّج فيلم “البحر البعيد” للمخرج سعيد حميش بالجائزة الكبرى، إلا أن هذه الجوائز وعلى الرغم من أهميتها هي وما قبلها، لم تؤد إلى تحول حقيقي في جمهور السينما المغربية أو في العائدات المالية للأعمال المحلية، إذ يظل الجمهور المغربي غالبًا محدود الوصول إلى الإنتاج الوطني نتيجة نقص القاعات وتكريس توزيع محتكر من قبل شبكات أجنبية، وعوامل أخرى بنيوية سنأتي على ذكرها. أما المنصات التي أنشأتها الوزارة الوصية وتلك التي أنشأها التلفزيون المغربي، تحت شعار التقوية والتعويض والترويج للفيلم وللصورة الوطنيان، فالعجيب هيمنة الفيلم والسيتكوم التلفزيوني اللا-سينمائي عليها بشكل غير مفهوم، ناهيك عن الأعطاب والخلط بين العنوان والمضمون ….
3 – حضور مغربي في مهرجان مراكش الدولي.
في الدورة الـ22 من مهرجان مراكش الدولي للفيلم، تم عرض أكثر من 15 فيلماً مغربياً ضمن اختيار 82 فيلمًا دوليًا (Yabiladi, 2025). ويدل هذا الأمر على القدرة الفنية للسينما المغربية على المنافسة الدولية، لكن غياب جوائز كبرى مغربية يبرز محدودية تأثير هذه المشاركات على الصناعة المحلية، ويبقى أن مهرجان مراكش يقوم بدوره كاملاً في تبريز السينما المغربية في مناخ دولي رفيع المستوى وبحضور عالمي متميز، وفتح آفاق لتفاعلها مع مستويات رفيعة من السينما العالمية، لكن المرء لا يملك إلا التساؤل عن معايير الدعوات للمشاركة وطنياً للبعض بشكل ممنهج سنوياً، وإقصاء أسماء مهنية ونقدية منتجة بقوة لسنوات، ومدى الاستفادة الحقيقية وليس بالتقاط الصور في ظل اختلاط السينمائي بما ليس كذلك في التطويع التواصلي لصورة المهرجان.
الواقع البنيوي: غياب استراتيجية وطنية واضحة.
1 – القانون رقم 18.23: نصوص تنظيمية بلا تطبيق فعلي
دخل القانون رقم 18.23 الخاص بالصناعة السينمائية وإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي حيز التنفيذ في غشت 2025، واشتمل على إجراءات لدعم الإنتاج وتنظيم القاعات (SnrtNews.com, 2025).، ورغم أن القانون يوفر إطارًا تشريعيًا حديثًا، إلا أن التنفيذ الفعلي لا يزال محدودًا، ويتركز على إصلاح جُزئي وإعادة هيكلة للمركز السينمائي دون وضع برنامج استراتيجي طويل الأمد لتقوية منظومة الإنتاج الوطني، سواء على مستوى التكوين أو التوزيع أو التسويق أو الترويج أو إصلاح منظومة اشتغال الدعم ومردوديته التجارية والإبداعية، وشبكات القاعات السينمائية الملائمة لنبل الفن السينمائي ولشروط عرض الأفلام.
2 – ضعف شبكة القاعات السينمائية.
تعد شبكة القاعات السينمائية أحد العوائق الكبرى أمام نمو القطاع، فمعظم القاعات الحديثة توجد في بعض المدن الكبرى وتدار غالبًا من قبل شبكة قاعات فرنسية تحتكر جزءًا كبيرًا من الإيرادات (IHATA.ma, 2025). يحد هذا الوضع من:
قدرة الجمهور المغربي على الوصول إلى الإنتاج الوطني،
قدرة المخرجين والمنتجين على استرجاع تكلفة الإنتاج وتحقيق ربح مستدام،
إمكانية تطوير مشاريع سينمائية تجارية قوية ترتكز على الاقتصاد الوطني.
3 – نقص مؤسسات التكوين السينمائي.
على الرغم من وجود معهد السينما المغربي بالرباط وبرامج تدريب محدودة، إلا أن عدد المعاهد المتخصصة – بين معهد عام واحد وبضعة معاهد خاصة لا ترقى إلى المستوى العالمي الرصين والشمولي في التكوين والتدريب بمعايير مهنية متحررة من الأكاديمي الثقيل من جهة ومن المهني المترهل السطحي المحدود الأفق من جهة ثانية – ما يزال غير كافٍ لتلبية احتياجات سوق الإنتاج الحديث بالمغرب حيث كم حاملي البطاقات المهنية لا علاقة له بوسائل الإنتاج وبمستويات الفكرة والكتابة والإخراج والتسويق والترويج بمستوى منافس عالميًا. ينعكس كل ما سبق ضعفًا على التجديد والتطوير الفني والتقني في الأعمال السينمائية المغربية، ويحد من قدرة السينما المغربية على المنافسة العالمية خارج الانفلاتات الفردية (Youm7, 2025).
4 – غياب الإعلام السينمائي المنتظم.
لا توجد حتى الآن منصات إعلامية منتظمة، سواء مطبوعة أو رقمية أو تلفزيونية، تعنى بمتابعة الإنتاج الوطني أسبوعيًا، اللهم المنصات التي أشرنا إليها وهي غير ملائمة ولا كافية مثل منصة “فرجة”. يخلق هذا الوضع فجوة كبيرة في الوعي السينمائي للجمهور، كما يحدُّ من القدرة على تطوير ذوق جماهيري واعٍ سينمائيًا ومدعم للثقافة الوطنية وللأعمال المحلية.
التوزيع والإيرادات: احتكار فرنسي يعرقل اقتصاد السينما المغربية.
الواقع أن حصيلة سنة 2025 تظهر أن شبكة توزيع القاعات الفرنسية تسيطر على التوزيع بقوة الواقع وتفرض شروطها كما تريد، وبالتالي تهيمن على الجزء الأكبر من إيرادات الفيلم السينمائي المغربي منه والأجنبي، وذلك ما يجعل الأعمال المغربية:
تعتمد على القرارات المصلحية للقاعات الأجنبية،
تواجه صعوبة في تحقيق عائدات مالية مستقرة ومشجعة على التعاطي للسينما بمهنية وبمنطق التنافس في الإنجاز،
تعاني من نقص فرص التسويق الذاتي والوصول إلى الجمهور الوطني. الذي لا يزال وفي مستويات عليا من شرائحه المتعلمة يخلط بين التلفزيوني والسينمائي وفي وظيفية السينما وأدوارها في التنمية وفي بناء مجتمع الوعي والحداثة وقيم الجمال والتعايش …
يعكس هذا الوضع أيضًا غياب استراتيجية وطنية هيكلية ومتكاملة لصناعة الفيلم المغربي، تركز على بناء شبكة توزيع محلية قوية، قادرة على دعم السياسة الثقافية الوطنية، وتعزيز الوحدة الوطنية ومرافقة التوجه الملكي الاستراتيجي التنموي في ضلعيه الأساسيين الأطلسي والأفريقي.
دور السينما في دعم الهوية الوطنية والتوجه الاستراتيجي.
ليست السينما مجرد صناعة وفن وتجارة، بل هي أداة استراتيجية لإنتاج الصورة الوطنية والسردية المغربية الأصيلة. ففي ظل غياب شبكة قاعات وطنية قوية، تظل قدرة السينما على:
تعزيز السياسة الثقافية الوطنية،
دعم الوحدة الوطنية،
نقل القيم الاستراتيجية الملكية للتحديث والتنمية الأطلسية والأفريقية بشكل سينمائي فني إلى سرديات فخر وطني يعزز لحمة الوطنية ويقاوم السرديات الأجنبية عنا وعن ثقافتنا وتاريخنا وأمجادنا ومنجزاتنا وقدراتنا وطموحاتنا، وأيضًا مشاكلنا وتحدياتنا الداخلية والخارجية ….
الانفتاح على المنظور الكوني والثقافي،
تظل كل هذه الأهداف والأدوار شبه منعدمة أو محدودة جدًا. تاركة المجال لإنتاجات عالمية عالية الجودة، تروج لفكر ولمواقف ولثقافات ولسرديات لا تخدم رغم كونيتها أحيانًا، سوى المزيد من الاستلاب اللغوي والثقافي والحضاري.
المقارنة الإقليمية: المغرب بين التحديات والفرص.
بالمقارنة مع تجارب عربية وأفريقية، نجد أن السينما المصرية والتونسية والمغاربية الأخرى نجحت في السنوات الأخيرة في ربط الإنتاج الفني بالجدوى الاقتصادية، وفي توسيع شبكة القاعات المحلية نسبيًا لكن بشكل غير كاف بالمرة، وفي تطوير برامج تكوين متقدمة نسبيًا لكنها لا تستوفي المطلوب من أجل قوة تنافس عالية، ودعم وعي جماهيري حد أدنى لكنه لا يزال يعاني من ضعف وخلط ونقص في العمق لأسباب معقدة ذكرنا أهمها فوق.
في المقابل، ما تزال السينما المغربية تعتمد على إنجازات فردية وقوة مهرجانات وطنية ودولية لتوقيع حضور موقت وعابر في كل الحالات، مثلها في ذلك مثل مجمل السينمات الإفريقية والعربية، بينما تظل البنية الأساسية المتكاملة والشاملة تفتقر بشدة لاستراتيجية واضحة.
التحديات الرئيسية لسنة 2025.
يمكن تلخيص التحديات البنيوية للسينما المغربية في السنة المقبلة 2026 في توفير البنيات الأساسية بمنطق الاستثمار لتوفير ما يلي:
شبكة قاعات غير كافية ومحتكرة جزئيًا من قاعات أجنبية،
مؤسسات التكوين والتدريب الفني والتقني،
دعم إعلامي منهجي لتطوير الوعي السينمائي،
إنتاج منتظم يعتمد على سرديات وأساليب أصيلة وكونية،
الاستفادة الاقتصادية والإعلامية والمحفزة من الجوائز والمهرجانات الدولية بشكل مفكر فيه.
خاتمة: نحو استراتيجية وطنية شاملة.
ختامًا، تُظهر حصيلة 2025 أن السينما المغربية حققت إشعاعًا فرديًا على المستوى الدولي وجوائز محلية مستحقة، لكنها لم تحقق القفزة البنيوية المطلوبة لتصبح صناعة متكاملة. لتحقيق ذلك، يجب أن تركز السياسات المستقبلية على:
بناء شبكة قاعات وطنية حديثة ومتوزعة؛
تطوير برامج تكوين متقدمة في جميع تخصصات السينما؛
إطلاق منصات إعلامية منتظمة لتعزيز الوعي السينمائي؛
دعم الإنتاج الوطني اقتصاديًا وتجاريًا مع الحفاظ على الجودة الفنية؛
تعزيز دور السينما في نقل الصورة الوطنية والسردية المغربية بما يتوافق مع التوجهات الملكية الأطلسية والأفريقية.
بدون هذه الاستراتيجية، ستظل السينما المغربية رهينة قيمتها وإشعاعها بالجوائز الفردية وبالحضور أو بتنظيم المهرجانات الدولية (أقصد مهرجان مراكش للفيلم)، ولن تتحقق أهداف التنمية الثقافية والاقتصادية والاستراتيجية الوطنية، ولن ترقى السينما المغربية إلى مستوى الدور القوي والمستقل بقوته ذاتيًا كرافعة دبلوماسية.