الأحداث بقلم محمد اعويفية
هل نحن مصابون بالعمى ؟ أم تخوننا اللغة ولا تطاوعنا عباراتها في وصف ما وقع؟ أم لأن الألم، حين يطول، يتحول عندنا نحن أهل “البيت “إلى عادة نتعايش معها و”كفى الله المومنين شر القتال”؟ لماذا نحتاج إلى الغريب ونتقاسم على صفحاتنا ما كتب عنا وعن مدينتنا؟ أَلأنه أصدق وأخلص منا مشاعرا ؟ أم لأنه أقل تواطؤا مع الصمت، وأبعد منا عن شبكة المصالح، وأخف وطأة من الخوف الذي يكمم أفواهنا جميعا؟
ابن المدينة وإن تجرأ وكتب يكون محاصرا بالذكريات؛ تراقبه العيون كل العيون، ويساومه الانتماء. يعرف الأسماء والوجوه، وما يربط بينها ، يخشى أن يتحول قلمه إلى شهادة إدانة تطاله قبل أن تطال غيره. لذلك يلطف اللغة، ويستعير منها المجاز عوض الاتهام المباشر، ويجمل كل شيء حتى الخراب كي لا يتهم بالجحود أو الخيانة. الكارثة عنده ليست فاجعة، بل خبرا، وكل جملة يكتبها عنه تمر عبر محكمة ذاتية غير معلنة، قاضيها الرقيب الصارم الحدق، العلاقات، وحتى الولاءات في كثير من الأحيان.
أما الغريب، فيأتي خفيفا، بلا ذاكرة مثقلة ولا حسابات مسبقة. يرى بوضوح واستغراب ما اعتدنا عليه وصار غير مرئي لنا : القذارة في الشوارع، الفوضى في التدبير، والكذب الذي من كثرة ما يعاد يصدق. يكتب بحرارة الحقيقة كما يراها ، لا يخاف من تسمية الأشياء بأسمائها، ولا يحتاج إلى استئذان كي يقول إن ما حدث لم يكن قضاء وقدرا فقط، بل نتيجة إهمال، وسوء تخطيط، وربما فساد مقنع بلغة الأعذار.
نعم ،يحتاج أهل آسفي إلى الغريب، لأن الكارثة عندهم لا تقاس بما خلفته من ضحايا وخسائر مادية، بل بمقدار الصمت الهائل الذي يلي الكارثة. وهم غالبا ما يطالبون بالصبر وبالنسيان ،الزمن وحده كفيل بتضميد الجراح ومداواتها ، في حين أن الغريب لا يطالب بالصبر وحده، بل بالمحاسبة ويقول ما لم يقال، مكسرا الصمت الجماعي الثقيل.
لكن هذه الحاجة، في حد ذاتها، فضيحة. فهي اعتراف غير مباشر بأن المدينة فقدت ثقتها كليا في أصواتها الداخلية.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون الغريب بديلا دائما لينير الطريق ، ليحتكر سرد الرواية، ليفتح النافذة، ثم يسكن “البيت”. فحين تعود المدينة إلى نفسها، وتستعيد شجاعتها في النظر مجددا إلى المرآة ، لن تحتاج إلى من يكتب عنها من الخارج، بل إلى من يكتب فيها، وباسمها، دون خوف من أحد.
هيئة التحرير30 ديسمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره