رواج واسع.. المغرب يحوّل «كان 2025» إلى مختبر اقتصادي

Écrit par

dans

لم يظل احتضان المغرب لنهائيات كأس أمم أفريقيا 2025، مجرد محطة رياضية كبرى، بل سرعان ما تحوّل إلى «اختبار حي» لمدى قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب التدفقات الجماهيرية، وإعادة توزيع الطلب داخل قطاعات الخدمات والنقل والاقتصاد الحرفي.

ومنذ انطلاق البطولة، بدا أن البلاد تدخل دورة اقتصادية مكثفة، تمتد آثارها من ملاعب المنافسة إلى الفنادق والمطارات والأسواق التقليدية، في مشهد أعاد ترميم صورة اقتصادٍ يتعافى من سنوات مثقلة بتداعيات الجائحة والتضخم والجفاف.

الخدمات في الواجهة.. رواج متعدد الطبقات

قطاع الخدمات كان الأكثر دينامية، إذ أفادت تقديرات مهنية أولية بارتفاع رقم معاملات المؤسسات الفندقية بنسب تتراوح بين 30 و50 في المائة، خصوصاً في المدن المحتضنة للمباريات الكبرى مثل الرباط وطنجة ومراكش وأكادير.

أما المطاعم والمقاهي، فسجلت نمواً متبايناً بين 20 و45 في المائة، مستفيدة من ارتفاع الطلب على خدمات الإطعام والترفيه، وتزايد مدة بقاء الزوار، الذين تجاوزت أنماط استهلاكهم زمن المباراة إلى نمطٍ يومي ممتد داخل الفضاء الحضري.

ولم ينحصر الأثر داخل الفندقة التقليدية، بل امتد إلى الإيواء البديل، مثل دور الضيافة والشقق المفروشة ومنصات الحجز الإلكتروني، التي لعبت دوراً تكميلياً في امتصاص ذروة الطلب، بما يعكس قدرة العرض السياحي المغربي على التكيّف السريع مع الضغط الموسمي.

ويقول الخبير في الاقتصاد السياحي سالم الغماري، إن «ما يحدث ليس ارتفاعاً ظرفياً في الاستهلاك، بل تشكّل دورة اقتصادية كاملة تُغذيها الإقامة والإطعام والتجوال الحضري والاستهلاك الثقافي والترفيهي».

وأوضح في تصريح لـ«الصحيفة» أن «الرواج كان متعدد الطبقات، استفاد منه الكبار والصغار على حد سواء، مع فارقٍ جوهري يتمثل في اتساع قاعدة المستفيدين بدل انحصارها في فاعلين محدودين».

النقل واللوجستيك.. حركة غير مسبوقة

اندفع قطاعا النقل واللوجستيك بدورهما إلى قلب الحركية الاقتصادية، إذ سجلت حركة الطيران ارتفاعاً يُقدّر بـ25 في المائة على الأقل خلال الأسابيع الأولى من المنافسة، مع ضغط ملحوظ على الرحلات القادمة من العواصم الأفريقية والأوروبية، إلى جانب تعزيز وتيرة الرحلات الاستثنائية لتأمين تدفقات المشجعين.

داخلياً، شهدت الطرق السيارة حركة مكثفة بين المدن المستضيفة والمناطق المجاورة، بينما ارتفعت نسب الملء في الرحلات الجوية الداخلية، وتوسعت خدمات النقل السياحي عبر الحافلات وسيارات الأجرة الخاصة، التي تولّت نقل آلاف المشجعين بين الملاعب والفنادق ونقاط الجذب السياحي.

ومطار محمد الخامس في الدار البيضاء، الذي يستحوذ تاريخياً على أكثر من 33,7 في المائة من الحركة الجوية الوطنية، عزّز مكانته خلال البطولة كمحور لوجستي قاري، يستقبل الوافدين قبل توزيعهم على مطارات مراكش وأكادير وطنجة والرباط، في إطار شبكة نقلٍ اشتغلت بإيقاع الحدث.

الصناعة التقليدية.. قوة ناعمة تسوّق «هوية الزيارة»

الأسواق العتيقة في فاس ومراكش وفضاءات العرض في طنجة وأكادير والعيون والرباط، شهدت إقبالاً متزايداً على المنتجات الحرفية المغربية، التي تركز عليها الطلب بشكلٍ لافت، خصوصاً الجلابة والقفطان والزرابي اليدوية والمنتجات الجلدية والمصوغات الفضية والصناعات الخشبية والنحاسية.

وبالعاصمة الرباط، وُضعت أروقة وأكشاك عرضٍ قرب الساحات الكبرى ونقاط تجمع المشجعين، بتنسيقٍ مؤسساتي – مهني، جعل من الحِرفة جزءاً من تجربة الزيارة، ومن ذاكرة البطولة لدى الجمهور الأجنبي، الذي غادر جزءٌ كبير منه وهو يحمل «قطعة من الهوية المغربية» إلى بلده.

ويؤكد الخبير الاقتصادي مجيد التكناوتي، أن «القيمة الاستراتيجية للبطولة لا تختزل في أرقام المداخيل، بل في ما تُنتجه من ثقة مؤسساتية وتجربة تنظيمية وشبكات علاقات اقتصادية جديدة».

وأضاف في تصريح لـ«الصحيفة»: «إذا جرى تثمين هذه الدينامية بسياساتٍ ذكية للمواكبة والتمويل، فإن أثر الكان يمكن أن يتحوّل من طفرةٍ استهلاكية إلى رافعةٍ هيكلية تعيد تموقع الاقتصاد المغربي داخل القارة».

المقاولات الصغرى.. بين الفرصة والاختبار

المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، التي تشكل أكثر من 90 في المائة من النسيج المقاولاتي بالمغرب، وجدت في «كان 2025» فرصةً لإعادة بناء توازنها المالي، خصوصاً تلك التي تشتغل في التموين، الصيانة، المناولة، الدعم اللوجستي، والتنظيم المواكب للحشود.

كما مكّنت المناسبة مقاولاتٍ فتية في الخدمات الرقمية والتكنولوجيا من اختبار نماذج أعمالها في حجز التذاكر، إدارة التدفقات، وصناعة المحتوى الرقمي المواكب للحدث.

لكن، ورغم الزخم الواضح، لم تستفد جميع الفئات بالدرجة نفسها، إذ أظهر ارتفاع الأسعار في بعض القطاعات، خصوصاً الفندقة والإطعام، توتراً بين منطق الربحية المشروعة وضرورة الحفاظ على ثقة المستهلك، فيما سجلت محلات صغيرة داخل أحياء سكنية محددة تراجعاً نسبياً في الحركة، بفعل انتقال الاستهلاك نحو فضاءات جماعية مرتبطة بالمباريات.

ويرى التكناوتي أن «الكان كان فرصة، لكنه أيضاً اختبار لمدى قدرة السياسات العمومية على إدماج المقاولات الصغرى داخل سلاسل القيمة، بدل أن يظل الرواج محض طفرة موسمية».

أرقام الذروة.. ومعنى ما بعد البطولة

وتضع تقديرات فاعلين اقتصاديين سقف المداخيل السياحية للحدث في أفقٍ يتجاوز 125 مليار درهم، فيما تتوقع السلطات أن تستمر آثار الرواج إلى ما بعد المنافسة، خصوصاً في ما يرتبط بتثبيت صورة المغرب كبلدٍ يمتلك قدرة تنظيمية عالية، وبنية تحتية متطورة، وشبكات نقلٍ ولوجستيك فعّالة.

لكن، يبقى الرهان الحقيقي، وفق خبراء، في تحويل هذا الزخم إلى مسارٍ طويل الأمد، يبتكر آلياتٍ للمواكبة والتمويل وتدبير الأسعار، تضمن تثبيت آثار البطولة اقتصادياً واجتماعياً، بدل تركها كطفرةٍ ظرفية سرعان ما تخبو.

إقرأ الخبر من مصدره