الكذبة المريحة

Écrit par

dans


عبد الإله الرضواني

في المغرب، لم يعد الدجل الصحي مجرد انحراف هامشي، بل تحوّل إلى منظومة كاملة يقودها مؤثرون يقدّمون أنفسهم كخبراء في “التغذية العلاجية” و”الطب الوظيفي” و”الديتوكس”، بينما يمارسون في الواقع شكلاً منظّمًا من الاحتيال على مرضى الأمراض المزمنة، مستعملين خطابًا واحدًا متكررًا بلا خجل: “نحن نعالج السبب الجذري ونغطي المرض بالكامل، أما الأطباء فيعالجون الأعراض فقط”.

هذه الجملة، التي تتردّد يوميًا في فيديوهات قصيرة وبرامج مدفوعة، ليست فقط كاذبة علميًا، بل فاسدة فلسفيًا، لأنها تفترض أن أمراضًا معقّدة مثل السرطان، السكري بنوعيه، أمراض القلب والشرايين، التصلب اللويحي، أمراض المناعة الذاتية كالروماتويد والذئبة، التهاب الأمعاء المزمن، الكبد الدهني، متلازمة القولون العصبي، الاكتئاب والقلق المزمنين، وحتى العقم واضطرابات الغدة الدرقية، لها “جذر واحد” خفي يمكن اقتلاعه بحمية قاسية أو مكمل غذائي أو صيام طويل.

الحقيقة العلمية تقول العكس تمامًا: هذه الأمراض ليست شجرة بجذر واحد، بل شبكة معقّدة من العوامل المتداخلة، الوراثة، العمر، البيئة، نمط الحياة، الالتهاب المزمن، الاختلالات الأيضية، والعشوائية البيولوجية، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد، ولا تغطيتها علاجيًا بوصفة جاهزة تُباع عبر الإنترنت. ومع ذلك، يصرّ هؤلاء المؤثرون على تسويق برامج يدّعون أنها شاملة وجذرية: حميات إقصائية متطرفة تمنع مجموعات غذائية كاملة لمرضى السرطان والسكري، صيامات مطوّلة تُفرض على مرضى يعانون أصلًا من الهزال أو فقر الدم، برامج تنظيف داخلي تزعم تخليص الكبد والأمعاء من السموم بينما تسبّب نقص البروتينات والفيتامينات والمعادن، أنظمة كيتو علاجية تُقدَّم كدواء سحري دون أي اعتبار لمخاطرها على مرضى القلب والكلى، ومكملات غذائية باهظة الثمن تُسوّق كبديل للعلاج الطبي رغم أنها غير خاضعة لأي مراقبة صارمة.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

الأخطر أن هذه الحميات القاسية لا تُقدَّم كخيار مساعد، بل كبديل كامل للعلاج الطبي، ويُقنع المرضى بترك الأدوية أو تأجيل العلاج الكيماوي أو المناعي بدعوى إعطاء الجسم فرصة للشفاء الذاتي، وعندما تتدهور الحالة، لا يعترف هؤلاء الدجالون بالفشل، بل يُحمَّل المريض الذنب: لم تلتزم، لم تصم كفاية، أكلت شيئًا ممنوعًا، لم تكن إرادتك قوية، فيتحوّل المرض من مأساة صحية إلى محاكمة أخلاقية.

أساليب الخداع هنا معروفة ومكرّرة: شهادات شفاء فردية لا يمكن التحقق منها، صور قبل/بعد بلا سياق، اقتطاع دراسات أولية، في الغالب أجريت على حيوانات المختبر، أو فرضيات بحثية وتحويلها إلى حقائق مطلقة، مهاجمة الطب الحديث بوصفه تجاريًا دون ذكر نسب النجاة أو التحسن، وادّعاء امتلاك معرفة سرية لا يريد النظام الطبي كشفها، ولا ننسى نظرية تآمر شركات الادوية والأطباء والحكومات على المواطن لإبقائه مريضا مستهلكا للدواء لزيادة أرباح الأطباء وشركات الدواء. ويبلغ الانحطاط ذروته حين يُدمج هذا الخطاب بالدين، فيُباع الأمل في شكل رقية خاصة، أو ماء مقروء عليه، أو طقوس تفريغ روحي، ليُستغل الجسد والعقيدة معًا.

الثمن الذي تدفعه الأسر المغربية ليس نظريًا، بل ملموسًا: مدخرات تُستنزف في برامج وهمية، تغذية سيئة تضعف المناعة بدل دعمها، تأخر قاتل في التشخيص والعلاج، ومرضى يعودون إلى المستشفى في مراحل متقدمة بعدما استُهلك وقتهم في حميات أضرت أكثر مما نفعت، بينما المؤثر ينتقل ببساطة إلى برنامج جديد، خطاب جديد، وضحية جديدة.

هذه الصناعة لا تعيش فقط على جشع أصحابها، بل على صمت، او لنقل تساهل، دولة لا تطبق قوانين منع انتحال صفة الطبيب ، وإعلام سمعي وبصري ومقروء يفتح المنصات لهؤلاء الدجالين، ومجتمع يخلط حسن النية مع التسامح مع الخرافة. فلسفيًا، يقوم هذا الدجل على ما يُسمّى كراهية عدم اليقين؛ أي ميل المرضى والخاضعين للتأثير إلى الانزعاج الشديد من الغموض والمجهول، فيبحثون عن إجابات سريعة ومؤكدة، حتى لو كانت كاذبة أو مضللة؛ فالعلم يعترف بالتعقيد والاحتمالات، بينما يبيع الدجال يقينًا مطلقًا في عالم معقّد، والإنسان المنهك يختار الوهم الواضح بدل الحقيقة الصعبة.

ختامًا، مواجهة هذا السرطان الاجتماعي لا تكون بمحاربة التغذية أو الإيمان، بل بكشف كذب خطاب “علاج جذور الامراض”، وتجريم انتحال صفة الطبيب، ونشر وعي علمي صارم، وتطبيق القانون بلا تهاون. صحة المغاربة ليست مختبرًا لتجارب المؤثرين، ولا سوقًا مفتوحة لبيع الأمل الزائف، ولا منصة تُقاس شعبيتها بتفاعل على حساب الأرواح. كل يوم من الصمت يعني ضحايا جدد، أملهم يُستغل وأجسادهم تُدمَّر، وكل دقيقة تأخير تجعل من الجهل والخداع قاتلًا صامتًا يبتلع حياتهم.

-أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي – معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، جامعة حمد بن خليفة

إقرأ الخبر من مصدره