سلطة خطاب التفاهة

Écrit par

dans


مصطفى غَـلْمَان

كثيراً ما ينزلق محللون بارعون في الخطاب نافذون في المشهد الإعلامي إلى تأسيس ضمني لرؤية نوستالجية عن “المثقف العضوي”، بوصفه كيانا قائما خارج شروط التاريخ الراهن، وكأن دوره ما يزال قابلا للاستعادة داخل السياقات نفسها التي أنتجته. غير أن هذا التمثل يغفل التحول الجذري الذي أصاب البنية الرمزية للمجتمع المعاصر، حيث تتقاطع أشكال الاستيلاب الرقمي مع تأخر قيمي عميق، أسهما معا في تفريغ الدور الاجتماعي للمثقف من فعاليته، وفي إرجاء وظيفته النقدية والثقافية والحضارية إلى هوامش شبه معطلة.

في هذا الأفق، يُحمِّل هؤلاء السلطة السياسية مسؤولية “تجريف” دور المثقف، وتحويله إلى ظل باهت في فضاء عام مكتظ بتفاهات جديدة، استحوذ عليها فاعلون رقميون صاعدون، أعادوا تشكيل الذوق العام وفق منطق المشاهدة السريعة، والانتشار العددي، والرسملة الرمزية الفورية. ويُستدعى، بحق، عامل التغييب الممنهج لوسائط القراءة، ومحاصرة قنوات إنتاج الثقافة وتداولها، وتقنينها خارج منطق التحفيز، مقابل تشجيع استهلاك سريع، هش، ومفتقر إلى العمق التأويلي.

غير أن هذا التشخيص، على وجاهته الجزئية، يظل قاصرا ما لم يُدرج ضمن تحليل أوسع للبنية الأنطولوجية للراهن. فكما نبه يورغن هابرماس، لم يعد الفضاء العمومي يُدار بمنطق التداول العقلاني، بل أصبح مسرحاً لتشابك الرأي بالصورة، والخطاب بالخوارزمية، والمعنى بالإثارة. كما أن مجتمع الشفافية والإنهاك الذاتي قضى على المسافة الضرورية التي يحتاجها التفكير النقدي، وحوّل الذات من فاعل تأملي إلى مستهلك دائم للانتباه، بحسب تعبير بيونغ تشول هان.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

إن انهيار المقروئية، وتراجع الفعل القرائي إلى مستويات أدنى من المنتظر، لا يمكن اختزاله في صعود الإعلام الرقمي فحسب، بل يرتبط بتحول عميق في أنماط الإدراك نفسها. فالصورة، كما حذّر غي ديبور في مجتمع الفرجة، لا تنقل الواقع، بل تستبدله، وتجعل التمثيل أسبق من المعنى، والظهور أقوى من الحقيقة. كما أن المثقف العضوي لا يجد نفسه فقط في مواجهة منظومة رمزية لا تعاديه مباشرة، بل تهمّشه عبر فائض الإشارات، وتسلب خطابه قدرته على التمييز والتأثير.

وتزداد المفارقة حدة حين نلاحظ أن المجتمع الاستهلاكي لا يرفض الثقافة، بل يعيد تدويرها في صيغ خفيفة، قابلة للتداول السريع، منزوعـة من بعدها الإشكالي. وهنا تصطدم القوة الفكرية والنفسية للمثقف بتجاذبات الراهن التقني والفني، حيث تحوّلت الصورة إلى ملاذ وجودي لشباب مأزوم، مشدود إلى أحلام الهجرة، ومفتون بمآلات سريعة، تتغذى على وعود رقمية تتجاوز في جنونها، كل محمولات اليوتوبيا الثقافية الكلاسيكية.

ومن هذا المنظور، لا يعود السؤال المركزي هو: “من أقصى المثقف العضوي؟” بل: “هل ما يزال مفهوم المثقف العضوي صالحاً في زمن الخوارزميات؟” وهل يمكن لذات نقدية تشكلت في فضاء النص والجدل أن تستعيد موقعها داخل عالم تحكمه السرعة والاختزال، واقتصاد الانتباه؟ أم أن الرهان الحقيقي اليوم هو إعادة تعريف المثقف نفسه، لا باعتباره ضميرا جاهزا للمجتمع، بل فاعلاً نقدياً يعيد التفكير في شروط إنتاج المعنى، وحدود المقاومة الرمزية، وإمكانات الفعل الثقافي داخل أنظمة رقمية مغلقة؟”.

إنها أسئلة حارقة، تضعنا، كما يقول ميشال فوكو، أمام ضرورة مساءلة أنماط السلطة الجديدة، ليس باعتبارها قمعا مباشرا، بل كشبكات دقيقة لإنتاج الحقيقة، وتشكيل الرغبات، وتوجيه الوعي. وفي هذا الامتحان العسير، يبدو أن المثقف، إن أراد استعادة أثره، مطالب أولا بأن يفكك أوهامه الخاصة، قبل أن يحمّل الخارج مسؤولية أفوله.

كما لا يستقيم، في هذا السياق، أن يُختزل السؤال في غياب التفكير النقدي وحده، وكأنه معطى طبيعي أو قصور ذاتي في الوعي الجمعي إزاء هذا الطوفان المتكاثر من التفاهات التي تحاصر الحياة المعاصرة من كل الجهات. فالتفكير في جوهره، ليس فعلا تلقائيا ولا ملكة تولد مكتملة، بل هو حصيلة سيرورة طويلة من الاشتغال المؤسسي والرمزي، تتداخل في إنتاجها مؤسسات الدولة، من مدرسة وجامعة ومراكز بحث ودراسات، إلى جانب أدوار المجتمع المدني والفاعلين الثقافيين، والذوات المفكرة نفسها.

وحين تغيب هذه الحوامل، أو تُغيَّب قصدا أو تقصيرا، يصبح المثقف، مهما امتلك من أدوات معرفية، كائناً معزولاً، مغلوباً على أمره، متواريا في الهامش، أو غير مهيأ موضوعيا لممارسة التفكير النقدي بوصفه فعلا عموميا مؤثرا. فالنقد لا يعيش في الفراغ، ولا يزدهر خارج منظومات تحتضنه، وتمنحه شروط التداول، والحماية الرمزية، والاستمرارية.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة تدبير حضور المثقف داخل المؤسسات المعلنة، لا بوصفه زينة خطابية أو واجهة رمزية، بل كفاعل معرفي منخرط في صلب آليات التكوين والتأطير والمتابعة. حضور يربط التفكير النقدي بمستويات التحصيل الثقافي الفعلي، ويقارب انتظارات المجتمع لا من علٍ، بل من داخل تشابكاتها الواقعية وتناقضاتها اليومية.

ذلك أن التفكير، وإن كان جزءا لا ينفصل عن كينونة المثقف ومسؤوليته الأخلاقية والمعرفية، حتى في أضيق الحدود الممكنة، فإنه يظل فعلا جماعيا بامتياز، لا يكتمل أثره إلا حين يساهم في تفكيك عزلة المجتمع، ويمنع تركه فريسة سائغة لنهش التفاهات، ولتأثيراتها المتسارعة التي تفرغ الوعي من قدرته على التمييز والمساءلة والمقاومة الرمزية.

إن أزمة المثقف في الزمن الراهن لا تختزل في تراجع حضوره أو انحسار صوته داخل الفضاء العمومي، بقدر ما تعبّر عن اختلال أعمق يمس شروط إنتاج التفكير ذاته، وحدود فعاليته في مجتمع أعادت الرقمنة تشكيل بنيته الرمزية، وغيّرت منطق التأثير فيه. فبين استيلاب رقمي كثيف، وتآكل مؤسسات التنشئة المعرفية، وهيمنة اقتصاد التفاهة، يجد المثقف نفسه مطالبا بمراجعة موقعه ووظيفته، لا على قاعدة الحنين إلى أدوار تاريخية منقضية، بل انطلاقا من مساءلة نقدية للراهن وأدواته وآلياته.

إن استعادة الأثر لا تمر عبر خطاب الاتهام أو التبرؤ من المسؤولية، بل عبر إعادة بناء شروط التفكير النقدي بوصفه فعلا مؤسسيا وجماعيا، تتقاسمه الدولة ومؤسساتها، والمجتمع المدني، والذات المثقفة نفسها. وحده هذا الأفق الكفيل بتحويل المثقف من شاهد على تآكل المعنى إلى فاعل في إعادة إنتاجه، ومن صوت معزول في الهامش إلى قوة رمزية قادرة، ولو ببطء، على فك عزلة المجتمع ومقاومة الانزلاق الهادئ نحو التفاهة المعممة.

إقرأ الخبر من مصدره